أخبارالرئيسيةسياسة

الأحزاب السياسية تركب سفينة الحملة الانتخابية نحو مربع الحكومة

مع انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية صباح اليوم الخميس 10 شتنبر، تكون الأحزاب السياسية المغربية قد ركبت فعلياً سفينة السباق نحو صناديق الاقتراع، إيذاناً بدخول الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر مرحلة الحسم السياسي والميداني.

ثلاثة عشر يوماً فقط تفصل مرشحي الأحزاب السياسية عن يوم الاقتراع، وهي مدة قصيرة ستتحول خلالها المدن والقرى والأحياء والأسواق ووسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للتنافس على أصوات الناخبين، في معركة لا يتعلق رهانها فقط بمن سيحصل على أكبر عدد من المقاعد، وإنما بمن سيتمكن من الاقتراب من مربع الحكومة المقبلة.

وتؤكد المعطيات الرسمية أن 27 حزباً سياسياً يشارك في هذه الانتخابات، فيما يتنافس الجميع على 395 مقعداً بمجلس النواب. وتمتد الحملة الانتخابية من 10 إلى 22 شتنبر، على أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر.

27 حزباً..وسباق واحد نحو الناخب

المشهد الانتخابي الحالي يعكس تعدداً حزبياً واسعاً، غير أن التعدد في عدد المشاركين لا يعني بالضرورة تعدداً مماثلاً في القدرة على الوصول إلى مراكز القرار.

فالأحزاب المشاركة موزعة عملياً بين قوى تتوفر على حضور برلماني وتنظيمي وموارد انتخابية وتجربة حكومية، وأخرى ممثلة في البرلمان دون امتلاك فريق، فيما تدخل أحزاب أخرى السباق من خارج المؤسسة التشريعية بحثاً عن موطئ قدم داخل الخريطة السياسية الجديدة.

وتكشف آلية توزيع الحصص في الإعلام العمومي عن هذا التفاوت؛ فقد قسمت الأحزاب الـ27 إلى ثلاث مجموعات، بحسب حضورها البرلماني، مع تخصيص مدد بث مختلفة لكل مجموعة.

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية: هل تنجح الأحزاب في تحويل التعدد العددي إلى قوة انتخابية، أم أن المنافسة ستظل محصورة أساساً بين القوى ذات الامتداد التنظيمي والبرلماني؟

البرامج الانتخابية تدخل المنافسة

ولم يعد الناخب أمام شعارات عامة فقط، إذ سارعت الأحزاب الكبرى إلى تقديم برامج انتخابية تتنافس من خلالها على ملفات القدرة الشرائية، والشغل، والصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية، والسكن، والاستثمار والخدمات العمومية.

حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة الحالية، يدخل السباق ببرنامج 2026-2031 تحت شعار «كرامة وفرص للجميع»، ويقدم نفسه باعتباره حزب الاستمرارية، مستنداً إلى حصيلة الولاية الحكومية الحالية، مع وعد بإحداث مليون منصب شغل وتعزيز الحماية الاجتماعية والخدمات العمومية .

أما حزب الأصالة والمعاصرة فيطرح برنامجاً يقوم على خمسة مواثيق و20 التزاماً، مع رصد كلفة إجمالية تقدر بـ350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، واستهداف إحداث مليون منصب شغل صاف على الأقل. ويركز البرنامج على القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، والخدمات العمومية، والأمن الطاقي والمائي والغذائي والعلمي والتكنولوجي. (

وفي الضفة الأخرى، يقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية برنامجاً يحمل عنوان 20 التزاماً من أجل التنمية العادلة والعيش الكريم، واضعاً الإنصاف والشغل والكرامة في صلب خطابه الانتخابي، مع تركيزه على الأجور والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية والصحة والسكن.

كما يدخل حزب العدالة والتنمية المنافسة ببرنامج انتخابي قال إنه شامل لمختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية، في محاولة لاستعادة جزء من الحضور الذي فقده في انتخابات 2021.

وبدوره يطرح حزب التقدم والاشتراكية برنامجاً انتخابياً مصحوباً بحملة رقمية واسعة، ويضع ضمن أولوياته الصحة والتعليم والتكوين والبحث العلمي والحماية الاجتماعية.

من البرامج إلى الحسابات الانتخابية

لكن الانتخابات لا تحسمها البرامج وحدها. فوراء الخطاب السياسي توجد حسابات أكثر تعقيداً تتعلق بالخريطة الانتخابية، وقوة التنظيمات المحلية، والمرشحين، والقدرة على تعبئة الناخبين، وطبيعة التنافس في الدوائر، ونسبة المشاركة.

مجلس النواب يتكون من 395 مقعداً، ويحتاج أي تحالف إلى 198 مقعداً على الأقل لبلوغ الأغلبية المطلقة. وبالتالي فإن السؤال الأكبر الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع ليس فقط، من هو الحزب الأول؟ وإنمامن يستطيع بناء أغلبية قادرة على تشكيل الحكومة؟ .

وهذه النقطة بالذات تجعل الحديث عن «الفائز» قبل ظهور النتائج حديثاً حذراً؛ لأن النظام الانتخابي وتوزيع المقاعد على الدوائر يجعل الحزب الذي يحتل المرتبة الأولى في عدد الأصوات غير مضمون بالضرورة في الحصول على أغلبية مريحة.

هل يتغير مربع الحكومة؟

المشهد الحالي يعطي مؤشرات على أن المنافسة ستدور أساساً حول الأحزاب الكبرى ذات الحضور البرلماني والتنظيمي، مع إمكانية أن تلعب أحزاب أخرى دور صانع التحالفات إذا تمكنت من تحسين رصيدها الانتخابي.

الحكومة الحالية قامت على تحالف ثلاثي بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، وهي أحزاب تملك معاً قاعدة برلمانية قوية في الولاية المنتهية. لكن الانتخابات الجديدة قد تعيد ترتيب موازين القوى داخل هذا التحالف أو تفتح الباب أمام صيغة حكومية مختلفة.

وهنا تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

الأول: سيناريو الاستمرارية
أن تحافظ أحزاب الأغلبية الحالية على موقع متقدم، بما يسمح بإعادة تركيب تحالف حكومي قريب من الصيغة الحالية، وإن كان بتوازنات داخلية جديدة.

الثاني: سيناريو إعادة توزيع القوة
أن يتقدم حزب على حساب آخر، فتتغير قيادة التحالف الحكومي المقبل، حتى وإن بقيت بعض مكوناته الحالية داخل الأغلبية.

الثالث: سيناريو المفاجأة
أن تحقق أحزاب المعارضة، أو بعض القوى الصاعدة، نتائج تفوق التوقعات، فتفرض إعادة رسم الخريطة السياسية والتحالفات الحكومية.

غير أن هذه السيناريوهات تظل قراءة سياسية وليست استطلاعاً للرأي أو توقعاً انتخابياً مبنياً على نتائج علمية، خصوصاً أن الحملة لم تبدأ إلا اليوم، وأن الكلمة النهائية ستكون للناخبين يوم 23 شتنبر.

الناخب. الرقم الأصعب

ويظل الرقم الأكثر أهمية في هذه الانتخابات هو الناخب نفسه.

فوفق المعطيات الرسمية، بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 15,801,162 ناخباً، بينهم نحو 46 في المائة من النساء. 

وهذا يعني أن الأحزاب لا تتنافس فقط على الناخب الحزبي التقليدي، وإنما على كتلة واسعة من المواطنين الذين قد تحسم أصواتهم اتجاه الخريطة الجديدة.

ومن هنا تتحول الحملة إلى امتحان حقيقي لقدرة الأحزاب على الانتقال من لغة الشعارات إلى لغة الإقناع، ومن الوعود الانتخابية إلى برامج قابلة للقياس والتنفيذ.

كما أن شبكات التواصل الاجتماعي ستكون إحدى ساحات المعركة الأساسية، بعدما أصبحت جزءاً متزايد الأهمية من التواصل الانتخابي، إلى جانب التجمعات واللقاءات المباشرة. وقد خصصت المؤسسات المختصة قواعد خاصة لضمان التعددية والحد من التضليل الإعلامي، بما في ذلك المضامين الانتخابية المولدة بالذكاء الاصطناعي.

13 يوماً لتغيير الخريطة

اليوم إذن لا يتعلق الأمر بمجرد افتتاح حملة انتخابية، بل ببدء العد العكسي نحو إعادة تشكيل المشهد السياسي المغربي. 27 حزباً، 395 مقعداً، أكثر من 15.8 مليون ناخب مسجل، و13 يوماً من السباق المفتوح.

كل حزب سيحاول أن يقدم نفسه باعتباره الجواب عن سؤال المرحلة، وكل مرشح سيخوض معركته على أساس قدرته على الوصول إلى الناخب وإقناعه، فيما ستعمل القيادات الوطنية على تحويل النتائج المحلية إلى قوة تفاوضية وطنية.

لكن خلف كل ذلك سؤال واحد سيظل حاضراً حتى ليلة إعلان النتائج؛ من سيصل أولاً إلى خط النهاية، ومن سيمتلك بعد 23 شتنبر مفاتيح تشكيل الحكومة المقبلة؟ فالانتخابات هذه المرة ليست فقط معركة على المقاعد، بل معركة على هندسة السلطة السياسية للسنوات الخمس المقبلة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button