Hot eventsأخبارالرئيسيةمجتمع

خبراء وحقوقيون بجنيف يضعون التنمية في قلب معادلة السلام وتسوية النزاعات

جنيف – الحدث الإفريقي

على هامش أشغال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، احتضنت مدينة جنيف، الأربعاء 9 شتنبر 2026، ندوة دولية رفيعة المستوى اختارت أن تضع العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان والسلام في صدارة النقاش الأممي، تحت عنوان دال: «التنمية في خدمة الإنسان: من الهامش الجغرافي إلى المتن الحقوقي الكوني».

الندوة، التي نظمها تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، جمعت أكاديميين وحقوقيين وفاعلين في المجتمع المدني من عدد من الدول، في محاولة للانتقال بالنقاش حول الحق في التنمية من مستوى المبادئ والشعارات إلى مستوى قياس أثر السياسات والمشاريع التنموية على حياة الإنسان، وعلى قدرة التنمية نفسها على الإسهام في معالجة النزاعات الممتدة.

واختزل عنوان اللقاء، وفق المنظمين، فلسفة تقوم على وضع الإنسان في مركز العملية التنموية، وربط التنمية بالمشاركة والحقوق والعدالة المجالية، مع استحضار المرجعيات الأممية ذات الصلة بالحق في التنمية.

وتولى تسيير أشغال الندوة الحقوقي عبد الوهاب الكاين، الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، الذي اعتبر أن السؤال لم يعد فقط، ماذا تقول المواثيق الدولية عن الحق في التنمية؟ بل كيف يمكن تحويل هذا الحق إلى واقع ملموس داخل المجالات الترابية، وكيف يمكن للتنمية أن تصبح أداة لتقليص بؤر التوتر وفتح آفاق جديدة أمام المجتمعات التي عانت من النزاعات والهشاشة.

الأقاليم الجنوبية..التنمية رافعة للحقوق

وشكلت المداخلة التي قدمتها الدكتورة مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية ورئيسة جمعية مدافعون من أجل حقوق الإنسان، إحدى أبرز محطات الندوة، بعدما تناولت تجربة الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية من زاوية التفعيل الترابي للحق في التنمية.

وذهبت لغزال إلى أن قياس الحق في التنمية لا ينبغي أن يتوقف عند صياغة النصوص والمبادئ، وإنما يجب أن يلامس مؤشرات الحياة اليومية، من قبيل الولوج إلى الماء والخدمات الأساسية والتعليم وفرص الشغل والبنيات التحتية والمشاركة في تحديد الأولويات التنموية.

واستندت المتحدثة إلى عدد من المؤشرات الإحصائية التي قدمتها خلال الندوة، من بينها بلوغ نسبة الولوج إلى الماء الصالح للشرب في الوسط الحضري بالأقاليم الجنوبية 93,7 في المائة مقابل 72,9 في المائة وطنياً، وارتفاع معدل التمدرس للفئة العمرية من 6 إلى 22 سنة من 76,4 في المائة سنة 2004 إلى 97 في المائة سنة 2024.

كما أشارت إلى نمو الناتج الداخلي الخام بمعدل سنوي بلغ، وفق المعطيات التي عرضتها، 7,7 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2023، مقابل 4,4 في المائة على المستوى الوطني، إلى جانب تراجع مؤشر الفقر متعدد الأبعاد في جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب إلى مستويات دون المعدل الوطني.

وبالنسبة إلى المتحدثة، فإن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية لا يقدم باعتباره وصفة جاهزة قابلة للاستنساخ في كل مكان، وإنما باعتباره تجربة يمكن أن تقدم دروساً في كيفية توظيف التنمية الترابية في خدمة الإنسان والاستقرار والمشاركة.

التنمية والهجرة.. من المقاربة الأمنية إلى حماية الكرامة

جانب من الحضور الصحراوي الفاعل و حقوقيون أجانب مهتمون بشأن تنمية مغربية الصحراء

وفي محور آخر، نقلت السيدة سارة باريزي، المديرة العامة للمرصد الدولي لحقوق الإنسان والبحث بإيطاليا، النقاش من التنمية الترابية إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بالاختلالات التنموية، وهي الهجرة.

وأكدت باريزي أن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، وضعف فرص العمل، والهشاشة أمام آثار التغير المناخي، تمثل عوامل تدفع ملايين الأشخاص إلى البحث عن مستقبل خارج بلدانهم.

وبحسب المقاربة التي طرحتها، فإن مواجهة الهجرة غير الآمنة لا يمكن أن تقوم حصراً على المنطق الأمني وإغلاق الحدود، وإنما تحتاج إلى معالجة جذور الظاهرة من خلال الاستثمار في بلدان الجنوب، وخلق فرص عمل لائقة، ودعم القدرة على التكيف مع التغير المناخي، وفتح مسارات للتنقل الآمن والمنظم.

وهكذا، أعادت المداخلة طرح معادلة أصبحت حاضرة بقوة في النقاش الدولي: كلما اتسعت فجوة التنمية، تضاعفت دوافع الهجرة؛ وكلما اتسعت فرص التنمية والكرامة، أصبح التنقل اختياراً بدل أن يكون اضطراراً.

المغرب وموريتانيا..تحويل الجغرافيا إلى فضاء للتنمية

ومن زاوية مغاربية وأفريقية، تناول الأستاذ المعلوم أوبك، الأستاذ الجامعي والناشط المدني الموريتاني، ما وصفه بـ”التحول الأنطولوجي” في النظر إلى المجال الرابط بين المغرب وموريتانيا.

وركزت مداخلته على ما اعتبره استمرارية سوسيو-مجالية بين الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية والجمهورية الإسلامية الموريتانية، باعتبارها مؤهلة للتحول من مجال جغرافي ينظر إليه تقليدياً باعتباره هامشياً إلى فضاء للاندماج الاقتصادي والتنمية والتعاون جنوب-جنوب.

واستحضر المتدخل مشاريع البنية التحتية الكبرى، وفي مقدمتها الطريق السريع تيزنيت – الداخلة ومشروع ميناء الداخلة الأطلسي، باعتبارها مشاريع يمكن أن تعيد تشكيل المجال الاقتصادي في شمال غرب إفريقيا، وتربط التنمية بالبنية التحتية والاندماج الإقليمي.

كما اعتبر أن الجهوية المتقدمة توفر آلية لإشراك الفاعلين المحليين في تدبير الموارد وتحديد الأولويات، مقترحاً إحداث مرصد إقليمي لحقوق الإنسان والتنمية بالمنطقة.

إفريقيا.. التنمية تصطدم بفجوة التمويل وكلفة النزاعات

أما الدكتور أيمن عقيل، رئيس مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان ونائب رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي التابع للاتحاد الإفريقي لمنطقة شمال إفريقيا، فقد وضع النقاش في سياقه القاري، من خلال قراءة في أداء إفريقيا في تنفيذ أجندة 2063 وأجندة 2030 للتنمية المستدامة.

وأشار، وفق المعطيات التي عرضها، إلى أن القارة لا تزال تواجه صعوبات كبيرة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، في ظل فجوة تمويلية ضخمة وأعباء مديونية وآثار متصاعدة للتغير المناخي.

لكن الأخطر، في نظر المتدخل، هو أن النزاعات المسلحة لا تدمر الأمن والاستقرار فقط، وإنما تضرب في العمق الحق في التنمية، بعدما تؤدي إلى تدمير البنيات التحتية وتعطيل التعليم والصحة والنشاط الاقتصادي وتشريد السكان.

واستحضر في هذا السياق نماذج السودان وجنوب السودان وإقليم تيغراي بإثيوبيا، باعتبارها حالات تكشف الكلفة الإنسانية والاقتصادية الباهظة للنزاعات، وتؤكد أن تحقيق التنمية المستدامة يظل رهيناً بوجود بيئة مستقرة وآمنة.

“دبلوماسية التنمية”..المشاريع جزء من صناعة السلام

وفي قراءة للمسار المغربي، قدم عقيل النموذج التنموي بالأقاليم الجنوبية باعتباره مثالاً لما سماه “دبلوماسية التنمية”، أي توظيف المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والبنيات التحتية في مواكبة المسار السياسي لتسوية النزاعات.

واستحضر في هذا السياق القرار الأممي رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، كما أشار إلى المشاريع التي تم إطلاقها في الأقاليم الجنوبية منذ اعتماد النموذج التنموي الجديد سنة 2015، في مجالات البنية التحتية والطاقات المتجددة والفلاحة والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

وتكمن أهمية هذا الطرح، على المستوى السياسي والحقوقي، في محاولة نقل مفهوم التنمية من كونه نتيجة يفترض أن تأتي بعد الاستقرار، إلى اعتبارها أيضاً أداة من أدوات صناعة الاستقرار والسلام.

توصيات تتجاوز جدران قاعة جنيف

وفي ختام الندوة، طرحت مجموعة من التوصيات التي تستهدف، بحسب المنظمين، المجتمع المدني والآليات الأممية والإفريقية والجهات الدولية المانحة.

ومن أبرزها الدعوة إلى تفعيل ما أطلق عليه المشاركون “دبلوماسية التنمية المناهضة للنزاع”، وتعزيز التعاون والتشبيك بين منظمات المجتمع المدني الإفريقي والدولي، وإحداث مرصد مدني لمتابعة الأثر الاجتماعي والاقتصادي للمشاريع التنموية الكبرى.

كما دعت التوصيات إلى ضمان مشاركة الشباب والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة في صياغة السياسات التنموية المحلية، وربط التمويل الدولي بمبدأ المسؤولية التضامنية وأنسنة التمويل، بما يعزز بناء نماذج تنموية أكثر إنصافاً واستدامة.

وأكد المنظمون أن مخرجات الندوة ستجمع في تقرير تركيبي يوجه إلى المشاركين والمنظمات الشريكة، بهدف الحفاظ على استمرارية النقاش وتحويل خلاصاته من فضاء الحوار الأكاديمي والحقوقي إلى مسارات مؤسساتية وأممية.

ما وراء الخبر

أهمية ندوة جنيف لا تكمن فقط في الموضوع الذي اختارته، وإنما في الزاوية التي حاولت من خلالها إعادة ترتيب العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان وتسوية النزاعات.

ففي إفريقيا، حيث تتقاطع النزاعات مع الفقر والهشاشة والمناخ والهجرة، لم تعد التنمية ملفاً اقتصادياً منفصلاً عن السياسة والأمن وحقوق الإنسان. المشاريع الكبرى، والاستثمار، والبنيات التحتية، والتعليم والحماية الاجتماعية، يمكن أن تتحول إلى أدوات لإعادة بناء الثقة وخلق المصالح المشتركة، شريطة أن يكون الإنسان في قلبها وأن تقترن بالمشاركة والإنصاف والشفافية.

ومن جنيف، حاول المشاركون الدفع بهذا النقاش خطوة أبعد، هل يمكن أن تصبح التنمية نفسها جزءاً من الحل السياسي للنزاعات، لا مجرد نتيجة مؤجلة للتسويات السياسية؟

ذلك هو السؤال الذي تركته الندوة مفتوحاً أمام المؤسسات الأممية والفاعلين الأفارقة والدوليين، في وقت تبحث فيه القارة عن نماذج جديدة تجعل من التنمية جسراً للسلام، ومن الحقوق مدخلاً للاستقرار، ومن الإنسان نقطة الالتقاء بينهما.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button