فاس ترفع سقف الانتظارات..التنمية المستدامة في صلب رهانات انتخابات 23 شتنبر

تدخل مدينة فاس، عاصمة العلم والحضارة وواحدة من أعرق الحواضر المغربية، الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 وهي تحمل إلى المرشحين والفاعلين السياسيين حزمة من الانتظارات التنموية التي لم تعد تحتمل مزيداً من التأجيل، بعدما أصبح رهان المدينة يتجاوز تدبير اليومي إلى بناء نموذج حضري مستدام يعيد لفاس مكانتها ويستجيب لتحولات المدينة وساكنتها.
وفي بلاغ لمؤسسة يوم فاس، يرسم ملامح أجندة تنموية واضحة، جرى التأكيد على أن الانتخابات التشريعية ينبغي أن تكون مناسبة لتحميل المترشحين مسؤولية الالتزام بهذه الانتظارات، والعمل على تنزيلها بما يحقق العدالة المجالية ويرد الاعتبار لمدينة أسهمت على مدى قرون في صناعة المعرفة والثقافة والحضارة.
وتتصدر المساحات الخضراء قائمة الأولويات المطروحة، في ظل دعوة إلى رفع نصيب الفرد منها من نحو ثلاثة أمتار مربعة إلى أكثر من 20 متراً مربعاً، مع ضمان استدامة صيانتها واعتماد المياه المعالجة في سقيها. كما تشمل المطالب تفعيل حديقة النبات، وتحيين غابة ظهر المهراز، واستثمار عدد من الفضاءات في تغات وعنق الجمل وعين الطيور وبلاد التازي، فضلاً عن محيطات السدود التلية، بما يسمح بتوسيع المجال الأخضر داخل المدينة.

ولا تنفصل هذه المطالب عن تحدي النظافة والبيئة، إذ يدعو البلاغ إلى تعميم تجهيزات النظافة وتفعيل القرارات المعززة لها في مختلف أرجاء المدينة، بالتوازي مع تحسين ظروف المطرح المراقب، خصوصاً من خلال استثمار إمكانية توليد الطاقة ومعالجة العصارة السائلة للنفايات، المعروفة بـ”الليكسيفيا”، للحد من الانبعاثات التي قد تؤثر على محيط المستشفى الجامعي والسكان ورواد الملعب الكبير.
وفي قلب الرهان على إنعاش المدينة، تبرز المدينة القديمة باعتبارها رصيداً تاريخياً وسياحياً واقتصادياً يحتاج إلى ربط أفضل بباقي مكونات فاس. ويقترح البلاغ فك عزلتها عبر إحداث مسار آمن ومؤنس يصلها بفاس الجديد والمدينة الجديدة، بما من شأنه تحفيز السياحة وتنشيط الاقتصاد المحلي وتحسين ظروف تنقل السكان والزوار.
كما يحضر النقل الحضري بقوة ضمن قائمة الانتظارات، من خلال الدعوة إلى انتظامه وتعميمه وتعزيزه بالنقل السككي، بما يستجيب للحاجة المتزايدة إلى منظومة نقل جماعي أكثر فعالية واستدامة، ويحد من الضغط المتنامي على حركة السير داخل المدينة.
وفي سياق تحسين جودة الفضاء العمومي، يقترح البلاغ نشر نقط للتزود بالماء الشروب وإحداث مرافق صحية ذكية على امتداد المسارات والفضاءات الحضرية، إلى جانب استكمال تسمية الشوارع والأزقة وترقيم البنايات، وهي إجراءات تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها ترتبط بشكل مباشر بتنظيم المدينة وضبط العناوين وتيسير وصول المواطنين والزوار وخدمات الطوارئ إلى مختلف المناطق.
وتحتل حماية الذاكرة التاريخية لفاس موقعاً بارزاً في هذه الرؤية، من خلال المطالبة بإبراز مآثر المدينة والتعريف بها وإعادة بعث الحياة فيها، بما يجعل التراث رافعة للتنمية السياحية والاقتصادية والثقافية، وليس مجرد إرث تاريخي معزول عن الحياة اليومية.
كما يدعو البلاغ إلى حماية الأودية التي تعبر المدينة من مختلف مظاهر التلوث، بالنظر إلى ارتباطها بالزراعة الحضرية المروية بمياهها، مع إعادة الاعتبار إلى ضفتيها عبر التشجير والتخضير وتحويلها إلى فضاءات أكثر جاذبية وأماناً.
وفي ملف أزمة الوقوف، يطرح البلاغ توسيع اعتماد مواقف السيارات تحت أرضية ومتعددة المستويات، باعتبارها إحدى الآليات الممكنة لتخفيف الضغط عن الشوارع والفضاءات العمومية، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة العالية.
أما حركة المرور، فتتطلب، وفق المطالب الواردة، معالجة عاجلة لما يعرف بـ”النقط السوداء”، سواء عبر الإنارة أو التشوير أو التصحيح الهندسي وإعادة التهيئة، بما يضمن انسيابية أكبر للسير. ويشدد البلاغ في المقابل على ضرورة رفع مستوى الاهتمام بالراجلين والفئات الأكثر عرضة للخطر، عبر تحرير الأرصفة وتعميم الولوجيات وإحداث مسالك للدراجات، مقروناً ذلك بالمراقبة والحزم في احترام قواعد استعمال الفضاء العام، حماية لحق المواطنين في السلامة والحياة.
ولا تغيب اللمسة الفنية والجمالية عن الرؤية المقترحة لفاس، حيث يدعو البلاغ إلى اعتماد جداريات في المواقع والساحات الرئيسية تستحضر عراقة المدينة وتاريخها، إلى جانب التسريع ببرمجة وإنجاز عدد من المشاريع الكبرى، من بينها “المسبح الكبير” و”صوت وضوء فاس” و”قصر المؤتمرات”، بمستوى ينسجم مع المكانة التاريخية والسياحية التي تطمح المدينة إلى استعادتها وتعزيزها.
من مطالب قطاعية إلى رؤية متكاملة
وتكشف هذه المطالب، في مجموعها، أن انتظارات فاس لم تعد محصورة في مشاريع متفرقة أو تدخلات ظرفية، وإنما تتجه نحو إعادة صياغة العلاقة بين المدينة ومجالها وموروثها وساكنتها.
فالمساحات الخضراء والنظافة والنقل والوقوف والسلامة والولوجيات ليست ملفات منفصلة، بل عناصر مترابطة في بناء مدينة مستدامة وقابلة للعيش. كما أن تثمين المدينة القديمة والمآثر والمشاريع الثقافية والترفيهية يضع الاقتصاد السياحي في صلب المعادلة التنموية.
ومن هنا، تبدو انتخابات 23 شتنبر بالنسبة إلى أصحاب هذه الانتظارات أكثر من موعد للتنافس على المقاعد البرلمانية؛ إنها مناسبة لاختبار مدى قدرة البرامج الانتخابية على تقديم أجوبة عملية عن الأسئلة الحقيقية للمدينة، ومدى استعداد المرشحين لتحويل الوعود إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ.
فاس، بما تحمله من ثقل تاريخي ورمزي، تبدو اليوم في حاجة إلى مشروع تنموي يعيد ترتيب أولوياتها ويوازن بين حماية ذاكرتها والانفتاح على المستقبل. وبين صناديق الاقتراع وانتظارات الساكنة، سيكون الرهان الحقيقي هو قدرة الفاعل السياسي على إقناع الناخب الفاسي بأن صوته لن يكون مجرد رقم في معادلة انتخابية، وإنما مدخلاً إلى فاس أكثر خضرة، وأنظف، وأسهل تنقلاً، وأكثر أمناً، وأقوى حضوراً في الاقتصاد والسياحة والثقافة.



