
الحاجة إلى الآخرين وحدود الأمان في العلاقات الإنسانية
ألمانيا-منير لكماني
أشد ما يربك الإنسان أن يخاف ممن يحتاج إليه. يشتاق إلى من يسمعه، ثم يتردد في البوح؛ يطلب الأمان، ثم يقلق من الثمن الذي قد يدفعه لقاءه. فكل اقتراب يفتح بابا للطمأنينة، ويترك بابا آخر لاحتمال الخيبة.
ومن هذه المفارقة تتشكل مساحة واسعة من حياتنا: كيف نجد في الآخرين سندا، دون أن يصبح حضورهم تهديدا لما نحاول حمايته في أنفسنا؟الحاجة إلى الناس أعمق من الرغبة في الصحبة.
نحن نبحث عمن يعترف بوجودنا، ويمنح تجربتنا مكانا في ذاكرته. وقد يكون الإنسان وسط جمع كبير، ثم يشعر بوحدة قاسية لأن أحدا لا يصغي إليه حقا.
وفي المقابل، قد يخف ثقل الحزن بحضور شخص واحد، لا يملك حلا، لكنه يعرف كيف يبقى قريبا دون أن يطالب المتألم بشرح كل شيء.غير أن هذه الحاجة تحمل هشاشتها معها.
فالذي نأتمنه على خوفنا يعرف الموضع الذي يمكن أن يجرحنا فيه، والذي ننتظر منه الطمأنينة يملك قدرة على إقلاقنا لا يملكها الغريب. لذلك تتفاوت آثار الكلمات بحسب أصحابها؛ عبارة عابرة من بعيد قد ننساها، بينما تستقر العبارة نفسها في القلب إذا صدرت ممن وثقنا به.
والقرب يمنح الأشياء الصغيرة وزنا لم يكن لها.وقد التقط آرثر شوبنهاور هذا التوتر في استعارة «معضلة القنافذ»، الواردة في كتابه «باريرغا وباراليبومينا». تخيل جماعة من القنافذ يدفعها البرد إلى التقارب طلبا للدفء، فتؤلمها أشواكها؛ وحين تتباعد اتقاء للوخز، يعاودها البرد، فتظل تتقدم وتتراجع حتى تجد مسافة تمنحها بعض الدفء وتخفف عنها الأذى.
هكذا يلبي الاجتماع الحاجة إلى الألفة، بينما يكشف الاحتكاك ما يؤلم في طباع الأفراد. ورأى شوبنهاور في اللباقة ما يحفظ تلك المسافة، ويتيح للناس احتمال بعضهم بعضا. إنها، ضمن نظرته المتشائمة، تسوية تقلل الألم وتترك الحاجة إلى الألفة ناقصة الإشباع.
وتبقى هذه الصورة مدخلا للتفكير، دون أن تستنفد إمكانات العلاقات الإنسانية. فالإنسان يستطيع أن يراجع سلوكه، ويعتذر، ويتعلم الإصغاء. وليس كل اختلاف سببا للجفاء، ولا كل انكشاف مقدمة للخيانة.
لكننا نضاعف متاعب القرب عندما نطالبه بأن يلغي الاختلاف. ننتظر من الصديق أن يوافقنا دائما، ومن الشريك أن يفهم صمتنا، ومن الأسرة أن تقبل اختياراتنا دون نقاش. وحين لا تتحقق هذه التوقعات، نحاكم المحبة بمعيار يستحيل الوفاء به. فاحترام الآخر يبدأ بقبول اختلافه عنا.
ويزداد الأمر تعقيدا عندما يتحول الاهتمام إلى امتلاك. يصبح السؤال مراقبة، والنصيحة أمرا، والقلق ذريعة للتدخل. وقد يستجيب الإنسان لهذه الضغوط حفاظا على الود، حتى يفقد قدرته على الاعتراض.
عندئذ تبدو العلاقة مستقرة من الخارج، بينما ينمو داخلها شعور بالاختناق. فاستمرار الصحبة لا يكفي للحكم على جودتها؛ ينبغي النظر أيضا إلى مقدار الحرية التي تتيحها، وإلى الثمن الذي يدفعه الطرف الأضعف لاستمرارها.هنا تكتسب المسافة قيمتها الأخلاقية. إنها تحفظ للآخر حقه في أن يكون مختلفا، وأن يحتفظ ببعض الصمت والخصوصية. غير أن الحدود تحتاج إلى وضوح؛ فالانسحاب المفاجئ قد يؤلم بقدر ما يؤلم التدخل. من حقنا طلب وقت لأنفسنا، ومن حق من يحبنا أن يفهم حاجتنا إليه.
والمسافة المناسبة تنشأ من تفاهم يتجدد، لا من قاعدة واحدة نفرضها على جميع الناس.وتختبر الحياة الرقمية قدرتنا على هذا التفاهم. قد تتحول الرسالة المقروءة إلى مطالبة بالرد، وتأخر الإجابة إلى اتهام بالإهمال.
نقترب من تفاصيل الآخرين، ثم نخلط المعرفة بحق المساءلة. وننسى أن الاتصال المتاح لا يعني استعدادا دائما للتواصل، وأن لبعض التعب صمتا لا يستطيع صاحبه تفسيره في كل مرة. فاحترام الغياب المؤقت يحمي العلاقات من إنهاك الحضور المستمر.أما العزلة، فتتحدد قيمتها بما تمنحه وما تحجبه.
قد تساعد على استعادة الهدوء، لكنها قد تصبح دفاعا يحمينا من الخيبة ويحرمنا المساندة. والخبرة المؤلمة تستحق الفهم، دون أن تتحول إلى حكم أبدي على البشر.
فالاستقلال ينضج حين نستطيع قبول العون دون تعليق حياتنا كلها على أحد، وحين نحمل إلى علاقاتنا اهتمامات وقدرات تجعل اللقاء مشاركة، وتخفف عنه عبء إنقاذنا من أنفسنا.نحتاج إلى الآخرين، ونحتاج أيضا إلى البقاء أوفياء لأنفسنا. وبين الحاجتين تتكون حكمة القرب: ثقة تتدرج، وصراحة تراعي الكرامة، ومساحة تسمح بالتنفس. ولا تعدنا علاقة بشرية بالنجاة من كل ألم، لكنها تستطيع أن تجعل ضعفنا آمنا من الاستغلال.
وأجمل الصحبة أن نجد عند الآخر مكانا نستريح فيه، ثم نعود إلى ذواتنا أقدر على الحياة، دون خوف من أن يفقدنا القرب أنفسنا.



