
دليل الناخب المغربي لفهم البرلمان والحكومة قبل اقتراع 2026
ألمانيا-منير لكماني
الرمز الذي يضعه الناخب في الصندوق لا يبقى حبرا على ورقة؛ إنه يتحول إلى مقعد، والمقعد إلى أغلبية، والأغلبية إلى حكومة وقوانين وميزانيات تمس المدرسة والمستشفى والشغل والضريبة والطريق. لذلك لا يختار المواطن يوم الاقتراع شخصا يبتسم في الملصق فحسب، بل يشارك في تحديد من يشرع، ومن يراقب، ومن يدبر الشأن العام خلال السنوات المقبلة.
يتكون البرلمان المغربي من مجلسين: مجلس النواب ومجلس المستشارين. في انتخابات 23 شتنبر 2026، ينتخب المواطنون مباشرة، عن طريق اللوائح، 395 عضوا في مجلس النواب لمدة خمس سنوات. أما مجلس المستشارين فيضم 120 عضوا ينتخبون بطريقة غير مباشرة لمدة ست سنوات، ويمثلون الجماعات الترابية والغرف المهنية والمنظمات المهنية للمشغلين وممثلي المأجورين.
ما وظيفة البرلمان؟ يحددها الدستور في ثلاث كلمات كبيرة: التشريع، والمراقبة، وتقييم السياسات العمومية. التشريع يعني مناقشة القوانين والمصادقة عليها، من قانون المالية الذي يحدد موارد الدولة ونفقاتها، إلى القوانين المتعلقة بالتعليم والصحة والاستثمار والحماية الاجتماعية. ويمكن للحكومة أن تقدم مشاريع قوانين، كما يستطيع البرلمانيون تقديم مقترحات قوانين. النائب الجاد لا يكتفي برفع اليد؛ يقرأ النص، ويقترح تعديله، ويدافع عن أثره في حياة الناس.
أما المراقبة، فتعني مساءلة الحكومة عن قراراتها وحصيلتها. يوجه النواب والمستشارون أسئلة كتابية وشفهية إلى الوزراء، وتخصص جلسة أسبوعية للأسئلة، كما يجيب رئيس الحكومة مرة كل شهر عن الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة. ويستطيع البرلمان تشكيل لجان لتقصي الحقائق، ومناقشة التقارير، وتقييم البرامج العمومية. ويملك مجلس النواب، وفق شروط دستورية دقيقة، إمكانية إسقاط الحكومة بملتمس رقابة تصادق عليه الأغلبية المطلقة.
الحكومة ليست هي البرلمان. البرلمان يضع القواعد ويراقب تنفيذها، بينما تمارس الحكومة السلطة التنفيذية. فهي تنفذ القوانين، وتدبر الإدارة، وتشرف على المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحول البرنامج الحكومي إلى سياسات وقرارات وميزانيات. الوزير مسؤول عن قطاع محدد، مثل الصحة أو التعليم، أما رئيس الحكومة فينسق العمل الحكومي ويمارس السلطة التنظيمية، باستثناء المجالات التي يختص بها الملك دستوريا.
كيف يصل صوت الناخب إلى الحكومة؟ ينص الدستور على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ثم يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. بعد تشكيلها، تعرض الحكومة برنامجها أمام مجلسي البرلمان، ولا تعتبر منصبة إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة؛ أي ما لا يقل عن 198 صوتا من أصل 395.
لهذا يغير التصويت ميزان القرار فعليا. التصويت للائحة ما يؤثر في عدد مقاعد حزبها، وعدد المقاعد يحدد موقعه: قيادة الحكومة، أو المشاركة في ائتلاف، أو العمل من المعارضة. وقد لا يحصل أي حزب منفردا على الأغلبية، فتبدأ مفاوضات لتكوين تحالف قادر على دعم الحكومة وتمرير القوانين. هنا تظهر قيمة الاختيار؛ فالنائب الكفء يقوي المؤسسة، والضعيف يحول المقعد إلى رقم صامت.
لكن ماذا يستطيع النائب أن يفعل لدائرته؟ لا يملك أن يوظف الناس مباشرة، أو يمنح الصفقات، أو يبني طريقا بقرار شخصي؛ فهذه مهام تنفيذية وإدارية. دوره أن ينقل مطالب السكان إلى التشريع والميزانية، ويسائل الوزير، ويقترح تعديلا، ويتابع الالتزامات، ويترافع بالحجة والأرقام. من يعد الناخب بوظيفة فردية أو منفعة خاصة يخلط بين التمثيل السياسي والوساطة، ويطلب صوتا لوظيفة ليست من صلاحياته.
لذلك، لا يكفي السؤال: من أعرف؟ الأجدى أن نسأل: من يفهم القانون والميزانية؟ من يحضر الجلسات واللجان؟ من يستطيع محاورة الوزير واقتراح البديل؟ من يملك نزاهة تحمي القرار، وكفاءة تحول شكاوى الناس إلى ملفات قابلة للدفاع، وشجاعة تتيح له شرح ما تحقق وما تعذر؟ وضع المناسب في المكان المناسب يبدأ بتمييز الخطيب الجيد من المشرع الجيد.
يوم الاقتراع ليس موعدا لمنح مكافأة لقرابة أو صداقة، بل لحسن توزيع المسؤولية. فالبرلمان القوي ينتج قانونا أفضل ورقابة أشد، والحكومة المدعومة بأغلبية مسؤولة تنفذ بوضوح وتحاسب على النتائج. وبين الورقة والصندوق تبدأ سلسلة طويلة من القرارات. من يفهمها، لا يضع رمزا فقط؛ بل يضع صوته حيث يمكن أن يصبح قانونا، وميزانية، ومساءلة، وتغييرا يستحقه الوطن. فالاختيار الواعي أول أبواب الإصلاح، وأقصرها إلى المستقبل.



