
بقلم: ربيع كنفودي
هل نسيت مدينة وجدة سنوات البلوكاج السياسي الذي عاشه مجلس جماعة وجدة خلال الولاية الانتدابية 2015-2021؟ وهل طوت المدينة، بكل ما عانته من اختلالات وتراجع في وتيرة التنمية، صفحة صراعات سياسية وحسابات انتخابية جعلت تدبير الشأن المحلي رهينة التجاذبات والصراعات داخل المجلس الجماعي؟
أسئلة تستوجب طرحها مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية 23 شتنبر 2026، خصوصا مع عودة الوجوه السياسية نفسها إلى واجهة المشهد الانتخابي، حيث يصبح ملزما إعادة ملف لبلوكاج السياسي، او ما كان يعرف “بتعطيل المجلس” وبالتالي تعطيل المدينة، إعادة نقاشه وتداوله من جديد ليس من باب تصفية الحسابات السياسية، وإنما من باب مساءلة الذاكرة الجماعية لمدينة وجدة، وحق ساكنتها في معرفة من يتحمل مسؤولية سنوات التعطيل، ومن ساهم في إرباك تدبير شؤونها، ومن يحاول اليوم تقديم نفسه باعتباره حاملا لمشروع التغيير، دون أن يقدم كشف حساب واضح عن ماضيه في تدبير الشأن العام المحلي.
إن البلوكاج السياسي الذي عرفه مجلس جماعة وجدة بين 2015 و2021 لم يكن مجرد خلاف عابر بين مكونات سياسية، أو اختلاف في وجهات النظر حول بعض القرارات التدبيرية، بل تحول، حسب الرأي العام المحلي، إلى عنوان لمرحلة طبعها الصراع على مواقع القرار، والذي كان له انعكاسات سلبية ألقت بظلالها على صورة المجلس وعلى انتظارات الساكنة من مؤسساتها المنتخبة، بالرغم من أن مدينة وجدة لم تكن في حاجة إلى كل تلك الصراعات، إنما كانت حاجة إلى مجلس جماعي منسجم، قادر على ترتيب الأولويات، وتسريع المشاريع، والدفاع عن مصالح مدينة ظلت تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وتنموية متراكمة.
وبالرجوع إلى وقائع تلك المرحلة، فأزمة الصراع، لم تكن وليدة لحظة انتخابية عابرة، وإنما كانت نتاج تطاحن حول المسؤوليات والمناصب لا شيء آخر، وهو ما كشفته جلسة انتخاب الرئيس في شتنبر 2015، والتي تعذر انعقادها بسبب غياب 39 مستشارا من أصل 65، دائما في سياق خلافات حول التحالفات وتوزيع مناصب المكتب. وبعد ذلك، امتدت هذه الخلافات الى المحاكم الإدارية، والتي أسقطت الرئيس والمكتب وصفت حينها المجلس بالفاشل، المعطل والمعاق وهي الصفات التي تم تجسيدها بالفعل لتستمر الخلافات إلى تدبير الميزانية، حيث فشل المجلس في المصادقة على مشروع ميزانية 2016، وهو الأمر الذي استدعى تدخل سلطة الوصاية لإعداد ميزانية التسيير.
وفي دجنبر 2016، دخل المجلس في حالة شلل بسبب رفض مشروع الميزانية للمرة الثانية، وسط صراع بين الأغلبية المشكلة للمجلس والتي عرفت بدورها انقساما وشرخا لم يعرف حينها المواطن هل هؤلاء من الأغلبية ام المعارضة، وهي نفس الصورة التي نراها اليوم وتكشفها الخطابات السياسية.
كل تلك الوقائع تجعل سؤال المسؤولية السياسية عن التعطيل سؤالا مشروعا، لا مجرد توظيف انتخابي للماضي. ولعل الأخطر في هذه التجربة أن البلوكاج لم يبق حبيس قاعة الاجتماعات، بل تحول إلى أزمة تدبيرية وسياسية أثارت تساؤلات حول قدرة المجلس على الاستجابة لحاجيات المدينة، تعثر المصادقة على الميزانية، وتراجع مداخيل بعض المرافق، واختلالات في النقل الحضري والبنية التحتية. هذه التراجعات استوجبت حينها التمحيص والمساءلة، وفي نفس الوقت كشفت عن حجم الاحتقان الذي انتهت إليه تلك الفترة.
ما يقال عن تلك الولاية، يقال أيضا عن هذه الولاية 2021/2027، التي بدورها لم تخل من صراعات ومن تطاحنات وتجاذبات بين مكونات الأغلبية التي أصبحت بين عشية وضحاها تمارس دور المعارضة، ليس طبعا من أجل مصلحة المدينة، وإنما أيضا من أجل المصلحة الشخصية، من أجل تقلد المناصب والمسؤوليات. هذا الخلاف والتطاحن كان محط اجتماعات متكررة مع السلطة الولائية التي دعت أكثر من مرة الى ترك الخلافات السياسية جانبا والتفكير في مصلحة المدينة.
وجدة اليوم لا تحتاج إلى خطابات انتخابية تمحو الذاكرة، ولا إلى سياسيين يتبادلون الاتهامات دون كشف حساب، بل تحتاج إلى مصارحة حقيقية حول ما جرى خلال الولاية 2015-2021، وإلى غابة هذا التاريخ، من ساهم في تعطيل دورات المجلس؟ ومن عرقل المصادقة على الميزانيات؟ ومن كان طرفا في التحالفات التي لم تصمد أمام صراعات المصالح والمواقع؟ وأين كانت الأولويات التنموية للمدينة وسط كل ذلك؟ فذاكرة المدن لا تنسى، وإن حاولت السياسة أن تنسيها، ومدينة وجدة الالفية ليست استثناء، حيث لا يمكن بناء مستقبلها على أنقاض ذاكرة جماعية جرى تجاهلها، ولا استعادة ثقة ساكنتها دون ربط المسؤولية السياسية بالمحاسبة الانتخابية.



