أخبارالرئيسيةفي الصميم

المغرب ـ إسرائيل..القرار السديد في مواجهة البقبقة الكلامية الشائعة في سوق الدجاج

باريس- أحمد الميداوي

ملعونة أنت أيتها السياسة.. فأنت المهنة الوحيدة التي تتيح لحزب سياسي يتولى شؤون الحكم، التوقيع بإيمان وحماس على قرار حاسم، تحت تصفيقات ومباركة قياديي الحزب، ثم الانقلاب بعد مدة، وبنفس الحماس، على نفس القرار تحت تصفيقاتهم ومباركتهم أيضا.

هو حال حزب العدالة والتنمية الذي بادر في أول رد فعل على قرار رفع مستوى التمثيلية الدبلوماسية بين البلدين، إلى الإعلان في بيان رسمي عن “تمسك الحزب بموقفه الرافض لـ”كل أشكال التطبيع، وكل العلاقات والاتفاقيات مع إسرائيل”.    

الزعيم بنكيران وهو يتحدث عن “تمسك الحزب بموقفه”، كان عليه، في أدنى الأحوال، أن يكون صادقا مع المغاربة ومصارحتهم بقوله: ” أشهد أمامكم إخواني المغاربة، وأمام حماس، وحزب الله، وأنصار الله الحوثيين، وإيران، أن حزبي، حزب العدالة والتنمية، هو من وقّع التطبيع وباركه أثناء رئاسته الحكومة، ولم تصدر مني آنذاك أية معارضة أو إدانة لقرار التطبيع، حتى لا أبدو غير منسجم مع التوجهات العامة للحزب وللحكومة التي كان يرأسها. والآن أعلن لكم موقفي الرافض للتطبيع”.

والسؤال الذي يجب طرحه وإعادة طرحة على صديقي المهرج عبد الإله بنكيران هو: كيف لا تجد حرجا في التخلي عن مواقفك السياسية، ولا مرة راودتك الفكرة في التخلي عن معاش الريع بقيمة 70 ألف درهم؟ أم أن ذلك المبلغ الشهري الآتي من السماء، هو ما جعلك تتقرب أكثر إلى الله من خلال امتهان السياسة، أو كما قلت في إحدى تصريحاتك الأخيرة “أحب السياسة تقربا إلى الله”.   

ومن هذا المنطلق، أقول للسيد بنكيران الذي انقلب على موقف حزبه بعد صمت طويل، إن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي يرى فيه المغرب فرصة لفتح مجالات في المعرفة، والتكنولوجيا، والاستثمار، والتكوين، والصناعة، والأمن السيبراني والفلاحة، إلى جانب إمكانات التعاون في قطاعات صناعية متقدمة، ومن بينها صناعة الأسلحة والطائرات، وشراكات ثنائية متعددة.

وهنا تكمن المفارقة الهائلة بين علاقة تُنتج المعرفة والإقلاع التنموي، بناءً على تبادل الخبرات، والانفتاح، واستيعاب التحولات الكبرى، وعلاقة تُنتج الشعارات والبقبقة الكلامية، والارتهان لخطابات العداء المطلق، التي غالبا ما تقود إلى عزلة فكرية وتنموية. علاقة بين شراكة تنقل المختبر والتكنولوجيا، وشراكة تضع أمامك منبرا وخطبا دينية عن المؤامرة وعن الخيانة.

ولا أظن حزب المصباح وقد شحُب ضياؤه منذ الهزيمة المُذلة في استحقاقات شتنبر 2021، بقادر على إقناع المغاربة بحجج دامغة، عن حجم الضرر المترتب عن الرفع من مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل، سوى تحويل الإيديولوجيا الدينية إلى عداء للمعرفة، وتمجيد للجهل، واستبدال العلم والصناعة والفكر والتكنولوجيا بالشعارات والخطب الفارغة.  

المغرب، يا أعداء التطبيع، يحتاج إلى أن ينظر إلى العالم بعين الدولة لا بعين الإيديولوجيا. ينمو، يتطور، يضيف إلى تجربته تجارب أخرى، مع الاحتفاظ باستقلال قراره وثوابته، ومصالحه الوطنية. والعنصر الديني حين يبقى في مجاله الروحي والأخلاقي يمكن أن يكون مصدرا للقيم. أما حين يتحول إلى أداة للوصاية على القرار السياسي، فإنه يضر بالوطن وبالمواطنين.

ولا يجوز والحالة هاته، وضع الدين وحده في قلب هذه الإشكالية. فهناك أيضا تيارات يسارية واشتراكية تتقاطع معه، في بعض القضايا، رغم اختلاف منطلقاتها الفكرية والتاريخية. ومن أبرز نقاط الالتقاء بين الطرفين، رفض التطبيع مع إسرائيل، ليس بوصفه موقفا سياسيا قابلا للنقاش، وإنما باعتباره “معيارا للوطنية الصادقة”. وهنا تحديدا ينبغي أن نطرح السؤال بنبرة هادئة ومتعقلة: هل كل من يرفض التطبيع وطني، وكل من يقبله خائن؟ أم أن المسألة أكثر تعقيدا من هذه الثنائية البئيسة؟

من حق أي حزب أو تيار أو مواطن أن يعارض التطبيع، وأن يقدم حججه السياسية والأخلاقية والتاريخية. ومن حق الدولة، في المقابل، أن تبني علاقاتها الخارجية وفق حسابات المصالح الوطنية والاستراتيجية.

وإذا كان المغرب يبحث عن المعرفة والتكنولوجيا والاستثمار والأسواق والخبرة الصناعية، فمن حقه أن يفتح الأبواب أمام الشراكات التي يرى أنها تخدم مصالحه. وفي المقابل، من حق المواطن أن يسأل عن حدود هذه الشراكات ونتائجها وتكلفتها، وأن يعارضها إن اقتنع بأنها لا تخدم بلده.

والأكثر إثارة للتأمل أن التيار “الإسلاموي” والتيار “الاشتراكوي”، يختلفان في كل شيء، من الاقتصاد إلى المجتمع إلى الدولة، ويلتقيان، الأول في التكفير “إما معي أو كافر”، والثاني في التخوين “إما معي أو خائن”، بمعنى أن المغازلة بينهما تقوم على رفض الآخر، ورفض الانفتاح عليه، ورفض الاعتراف بأن العالم تغير.

وهنا تظهر مشكلة أعمق من التطبيع نفسه: مشكلة العقل الذي يريد أن يدير عالم القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن العشرين. العالم يتحرك بسرعة مذهلة، والدول التي تريد أن تحجز لنفسها مكانا في هذا العالم، لا تستطيع أن تعيش في عزلة إيديولوجية. ومن يريد مغربا قويا، منتجا، متعلما، مبتكرا، عليه أن يدرك أن أخطر ما يمكن أن نضعه في طريق المستقبل ليس الخلاف السياسي، وإنما تحويل القرار السياسي إلى خيانة. فالمستقبل لا يسألنا من أي معسكر إيديولوجي جئنا، بل يسألنا ماذا أنتجنا، وماذا تركنا للأجيال التي ستأتي بعدنا.

ثم إن معظم من يختزل موقف المغرب من القضية الفلسطينية في مسألة التطبيع، يتجاهل سجلا طويلا من الدعم والتحرك السياسي والإنساني والدبلوماسي، حيث القضية الفلسطينية ظلت ولا تزال، ثابتا من ثوابت سياسة المغرب الخارجية.

فهل تُختزل كل مواقف المغرب في كلمة واحدة اسمها الخيانة؟ إن من حق أي مغربي أن يرفض التطبيع. لكن ليس من حق أحد أن يحتكر الوطنية، وأن يحوّل موقفا سياسيا مختلفا إلى شهادة بالخيانة. وكأن تاريخ المغرب في علاقته بالقضية الفلسطينية، يمكن أن يُمحى بجملة، أو أن عقودا من المواقف والدعم لا تساوي شيئًا أمام شعار سياسي يوزعه بعض مروجي الخطاب الأيديولوجي بسهولة مدهشة.

المغرب يمكنه أن يدعم الحقوق الفلسطينية، وأن يدافع عن القدس، وأن يطالب بالدولة الفلسطينية المستقلة، وأن يقدم المساعدات الإنسانية، وفي الوقت نفسه أن يقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. هذه ليست بالضرورة مفارقة. إنها خيارات في السياسة الخارجية يمكن مناقشتها وتقييم نتائجها.

لذلك، أقول للتيارات الإسلامية وللتيارات الاشتراكية المتطرفة، قبل أن ترفعوا سيف “الخيانة” في وجه المغاربة، اقرأوا تاريخ بلدكم جيدا. فالقضية الفلسطينية ليست ملكا لتيار ديني، ولا لحزب سياسي. إنها قضية ذات مكانة مقدسة في وجدان المغاربة، وفي السياسة الخارجية للمملكة. والدفاع عنها لا يمنح أحدا حق مصادرة القرار المغربي أو احتكار وطنيته. والقرار السديد هو الذي يجب أن ينتصر في النهاية، وليس التخوين.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button