أخبارالرئيسيةكلام والسلام

ما بعد الصندوق..الثقة في السياسة؟

بقلم: عبد السلام العزوزي – الحدث الإفريقي

ليست الانتخابات نهاية الحكاية. بل بداية قصة الحكم والحكامة والمسؤولية، بداية تنفيذ البرامج وتنزيل الوعود والوفاء بالعهود التي بحت بها حناجر المرشحين وهم يجولون في المداشر والقرى وزقاق وشوارع المدن الكبرى.

الصندوق لا يغلق الباب، بل يفتحه. والورقة التي تسقط في الصندوق لا تنهي المعركة السياسية، وإنما تنقلها إلى موقع آخر؛ حيث الأرقام تصبح مسؤوليات، والوعود تصبح امتحانات، والانتصار الانتخابي يتحول إلى عبء ثقيل اسمه الحكم.

في المغرب، انتهت لحظة الاقتراع، وبدأت لحظة أكثر تعقيداً. لحظة لا يكفي فيها أن نعرف من تصدر ومن تراجع، ولا أن نتوقف طويلاً أمام عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب. فالأرقام، مهما كانت كبيرة، تظل عاجزة عن تشكيل حكومة بمفردها حين لا تمنحها صناديق الاقتراع مفاتيح الأغلبية.

وهنا تحديداً تبدأ السياسة الحقيقية. السياسة ليست فقط أن تفوز في الانتخابات، بل أن تعرف ماذا ستفعل بهذا الفوز. وليست البطولة أن تصل إلى الحكومة، وإنما أن تستطيع البقاء في مستوى انتظارات الناس بعد الوصول إليها.

فالناخب الذي وقف في الطابور، ووضع ورقته في الصندوق، لم يمنح شيكاً على بياض. لقد منح تفويضاً مشروطاً بالأمل، ومفتوحاً على المحاسبة.

فالصندوق لا يطعم الجائع بعد كل انتخابات، حين تميل الأحزاب إلى الاحتفال بالأرقام. وهذا طبيعي. لكن المواطن لا يعيش داخل الجداول الانتخابية، ولا يذهب إلى السوق حاملاً نتائج الدوائر الانتخابية في جيبه. فالمواطن يريد مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر إنصافاً، وشغلاً يحفظ كرامته، وإدارة لا تجعل حياته رحلة بين النوافذ والأختام، واقتصاداً يشعر بثماره في تفاصيل يومه.

لذلك فإن الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة لن يكون في عدد المقاعد التي تجلس خلفها، بل في قدرتها على تحويل السياسة إلى أثر ملموس في حياة الناس.

فالانتخابات تمنح الشرعية السياسية، لكنها لا تمنح النجاح الاقتصادي والاجتماعي تلقائياً. والأغلبية البرلمانية، مهما كانت متماسكة، لا تستطيع أن تختصر المسافة بين خطاب انتخابي جميل وواقع اجتماعي معقد.

فالمغرب الذي تغيّر على مدى العقدين الأخيرين ويسير بسرعة كبيرة في مجالات تنموية إصلاحية متعددة ليس من حقه أن يوقف قطار التنمية وقطار الإصلاحات الكبرى وقطار الاستراتيجيات المتعددة لشراكاته الخارجية. المغرب أصبح ليس من حقه أن ينقص من وثيرة أو يتهاون في الدفع باستراتيجيته السياسية والاقتصادية في العمق الافريقي .

هناك شيء آخر ينبغي ألا تضيع ملامحه وسط ضجيج نتائج الانتخابات، هو أن المغرب الذي دخل محطة الاستحقاقات التشريعية للعام 2026، ليس هو المغرب الذي يستعد لتدشين محطة مابعد فرز نتائج الانتخابات وما تطرحه المرحلة من تحديات كبرى، ورهانات معقودة على العمل الحكومي المقبل الذي لن يقبل منها المغاربة إلا أن تنجز قبل أن تتكلم.

لأن هناك جيل جديد من الناخبين يتابع السياسة عبر الهاتف، ويسأل بسرعة، ويقارن بسرعة أكبر، ولا يمنح الأحزاب وقتاً طويلاً لتبرير الإخفاقات. لقد تغيرت علاقة المواطن بالسياسة. لم يعد يكفي أن تظهر القيادات في المنصات، ولا أن تملأ الأحزاب الشوارع باللافتات. أصبح المطلوب اليوم هو الحضور في حياة الناس نفسها.

وفي زمن تقنيات الرقمنة وسرعة الصورة، أصبح الفارق بين الوعد والإنجاز أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

من هنا، على الحكومة التي ولدت من رحم هذه الانتخابات لن ترث بلداً بلا تحديات. بل أمامها اقتصاد يحتاج إلى مواصلة الإصلاح، وسوق شغل ينتظر حلولاً أكثر فعالية، وخدمات عمومية تحتاج إلى رفع الجودة، وتفاوتات اجتماعية ومجالية لا يمكن معالجتها بالشعارات. وفوق ذلك كله، هناك المغرب الذي يوسع حضوره في إفريقيا، ويبحث عن موقع أكثر تأثيراً في محيطه الإقليمي والدولي.

وهنا تبرز معادلة شديدة الأهمية. ذلك؛ لا يمكن للمغرب أن يكون قوياً في الخارج إذا لم يكن مطمئناً في الداخل. فالقوة الدبلوماسية والاقتصادية والاستثمارية تحتاج إلى قاعدة اجتماعية صلبة. والحضور الإفريقي للمغرب يحتاج إلى اقتصاد قادر على الاستمرار، ومؤسسات تحظى بالثقة، ومجتمع يشعر بأن ثمار التنمية تصل إليه.

ربما تكون هذه إحدى أهم الزوايا التي ينبغي أن ينظر منها الإعلام المغربي إلى المرحلة الجديدة.فالمغرب لا يعيش انتخاباته بعيداً عن إفريقيا.الرباط أصبحت جزءاً من نقاش إفريقي واسع حول الاستثمار، والأمن الغذائي، والطاقة، والهجرة، والبنية التحتية، والتمويل، والمعادن الاستراتيجية.

ومن هنا، فإن الحكومة المقبلة لن تدير شؤوناً داخلية فقط؛ ستكون أيضاً أمام مسؤولية تدبير موقع المغرب في قارة تتحول بسرعة. إفريقيا نفسها تتغير. والقوى التقليدية تعيد حساباتها، وقوى جديدة تبحث عن موطئ قدم، والثروات الطبيعية تتحول إلى أوراق تفاوض، والدول الإفريقية لم تعد تريد أن تبقى مجرد سوق أو مصدر للمواد الخام.

وفي هذا المشهد، يحتاج المغرب إلى أن يقرأ إفريقيا لا باعتبارها مجالاً للاستثمار فقط، بل باعتبارها فضاءً استراتيجياً وشريكا حقيقيا للمستقبل.

والآن، بعد انتهاء التصفيق، والانتشاء بالفوز، تبدأ الأسئلة الصعبة التي تتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة. من سيجلس إلى جانب من؟ ما شكل الأغلبية؟ ما طبيعة التوافقات؟ كيف ستترجم البرامج الانتخابية إلى برنامج حكومي؟ وأين ستكون المعارضة؟.

لكن السؤال الأهم في نظري، يظل خارج هذه التفاصيل كلها، هل تستطيع الطبقة السياسية أن تقنع المواطن بأن السياسة ما زالت قادرة على تغيير حياته؟.

ذلك هو الرهان الحقيقي. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي ديمقراطية ليس اختلاف الأحزاب، ولا تعدد البرامج، ولا حتى صعوبة تشكيل الأغلبية. الأخطر أيضا؛ هو أن يفقد المواطن الإيمان بأن صوته فعلا يحدث فرقاً.

في ليلة الانتخابات، تنتهي المنافسة على المقاعد. لكن في صباح اليوم التالي، تبدأ المنافسة على شيء أكبر بكثير وهو المنافسة على كسب ثقة الناس. والثقة لا تُنتزع بالخطب، ولا تُشترى بالإعلانات، ولا تُحسم بالأرقام. الثقة تُبنى ببطء، وتُهدم بسرعة.

لهذا، فإن نتائج 23 شتنبر ليست شهادة نجاح لأحد، ولا شهادة سقوط لأحد. إنها بداية امتحان جديد للجميع. للأحزاب التي ستدخل الحكومة، وللأحزاب التي ستجلس في المعارضة، وللمؤسسات، وللإعلام، وللمواطن نفسه.

فالانتخابات تقول لنا من حصل على المقاعد. أما السنوات المقبلة، فهي التي ستقول لنا ماذا فعل أصحاب المقاعد بهذه الثقة. وهنا، بالضبط، تبدأ القصة المفصلية التي تهم المواطن.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button