
بقلم: ذة.نادية دابرايم
بات الحصول على الشهادات والدبلومات، خلال السنوات الأخيرة، أحد المؤشرات الأكثر حضورا في تصور الشباب لمسارهم الدراسي والمهني. وقد ساهم اتساع العرض التكويني وتعدد المسارات التعليمية والمهنية في إتاحة فرص أكبر لاكتساب المعارف والمؤهلات.
غير أن هذا التحول الإيجابي يطرح في المقابل، سؤالا جوهريا يتجاوز قيمة الشهادة في حد ذاتها: إلى أي مدى تنعكس المؤهلات الأكاديمية والمعرفية على الكفايات الفعلية للفرد وقدرته على الاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية؟فالشهادة، مهما بلغت قيمتها، لا تمثل سوى أحد مكونات الكفاءة. إذ إن الانتقال من المعرفة النظرية إلى الأداء الفعلي يقتضي امتلاك مجموعة من المهارات التي لا تُختزل في التحصيل الأكاديمي، من بينها “مهارات التواصل، والقدرة على التعبير، والإنصات، والعمل الجماعي، وإدارة المواقف، وحل المشكلات، والقدرة على التكيف مع السياقات المختلفة”.
واستنادا إلى الممارسة الميدانية في مجال التكوين والتأطير، رصدنا وجود فجوة لدى بعض الشباب بين الرصيد المعرفي الموثق بالشهادات وبين القدرة على توظيف هذا الرصيد في مواقف واقعية. فقد يمتلك الفرد مؤهلات متعددة، لكنه يجد صعوبة في تعبير عن ذاته، أو الدفاع عن أفكاره بطريقة منظمة، أو خوض مقابلة مهنية بثقة واتزان، أو التعامل مع المواقف التي تتطلب قدرا من المرونة والذكاء الاجتماعي.
وهنا تبرز إشكالية أساسية في مفهوم التكوين، هل ينبغي أن ينحصر في نقل المعارف ومنح الشهادات، أم أن وظيفته الأعمق تتمثل في بناء شخصية قادرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة؟إن التحولات التي يعرفها سوق العمل (الوطني والدولي) تجعل من الصعب النظر إلى الكفاءة باعتبارها مجموعا من المعارف التقنية فقط.
فالمؤسسات لا تحتاج إلى أفراد يمتلكون المعرفة، وإنما إلى أشخاص قادرين على التواصل الفعال، واحترام قواعد العمل، والتفاعل الإيجابي مع المحيط المهني، وإدارة الاختلاف، وتحمل المسؤولية، والتكيف مع المستجدات.
وتكتسب الكفايات التواصلية في هذا السياق أهمية خاصة. فطريقة التعبير عن الأفكار، والقدرة على الإنصات، واختيار المفردات المناسبة، ولغة الجسد، ونبرة الصوت، واحترام آداب الحوار، كلها عناصر تؤثر في جودة العلاقات المهنية وفي قدرة الفرد على تقديم نفسه للآخرين.
كما أن المظهر المهني لا ينبغي اختزاله في الجانب الجمالي أو الشكلي، بل يمكن النظر إليه باعتباره جزءا من منظومة السلوك المهني التي تعكس احترام السياق والمؤسسة والآخرين. فاختيار المظهر، إلى جانب الانضباط، وطريقة التعامل، والالتزام، يشكل جزءًا من الصورة المهنية للفرد.
ومن هنا، فإن الإشكال لا يكمن في كثرة الشهادات، بل في احتمال أن تتحول هذه الاخيرة من وسيلة لإثبات التعلم إلى غاية في حد ذاتها. عندما يصبح الحصول على الدبلوم هو المؤشر الوحيد على النجاح، قد يتم إغفال السؤال الأهم؛ ماذا أضاف هذا التكوين إلى شخصية الفرد؟إن إعادة الاعتبار إلى مفهوم الكفاءة تقتضي الانتقال من منطق «التكوين من أجل الشهادة» إلى منطق «التكوين من أجل بناء القدرة».
وهذا التحول يستوجب إدماج المهارات الحياتية والتواصلية والمهنية داخل مختلف المسارات التكوينية، وربط المعارف النظرية بالتطبيقات العملية والمواقف الواقعية.بناء عليه، نستنتج أن المسؤولية مشتركة بين منظومة التعليم والتكوين، والأسرة، والمؤسسات المهنية، والمجتمع، إضافة إلى الفرد نفسه في تعميق هذه الفجوة. فبناء الكفاءة عملية متكاملة تتطلب بيئة تعليمية وتكوينية تعطي للمهارات التطبيقية والتواصلية المكانة نفسها التي تمنحها للمعارف النظرية.



