
الحدث الإفريقي | عيد السلام العزوزي
يصح القول أن الانتخابات التشريعية التي انتهت قبل ستة أيام(23شتنبر2026)، سجلت ظاهرة غير مسبوقة في الانتخابات المغربية، كان دافعها و مؤطرها الفضاء الرقمي الذي استعمله النائب البرلماني “الظاهرة” الفائز بمقعد في برلمان الرباط، ابن منطقة أطلس الشموخ ميدلت، الشاب عبد العزيز باريك، الشهير في الفضاء الرقمي باسم “أسامة باريك”،الذي قلب الطاولة على علية القوم بالأطلس الذين كانوا دائما يتصدرون الفائزين في الانتخابات .
عبد العزيز باريك لم يكن من الأسماء المنتظر ترشحها في الانتخابات، إلا بعد أن ضغطت قبائل الأطلس الكبير على ابنها ليترشح في إقليم ميدلت، بحيث لم يلتفت إليه أي حزب كبير لاستقطابه، فلقد تحدى الجميع وأخذ تذكرة المرور إلى عملية الترشيحات باسم حزب مغمور وهوحزب الوحدة والديمقراطية، فقط لأنه لم يكن يملك، وهو ابن الأطلس، تاريخاً طويلاً في المؤسسات الحزبية أو رصيداً انتخابياً تقليدياً. كما أن لم يكن يملك ولو فلسا يمكن أن يجبره في حملته الانتخابية، أهل القبيلة والاقليم هم من تكلف بالأمر كل حسب استطاعته في تحد كبير لتمكين ابنهم البار من الفوز في هذه الانتخابات، وفعلا كان ذلك، وفرحت القبيلة واستقبلت أسامة أو عبد العزيز-سميه-ما شئت، فقط لا تنسى أن تسميه “الظاهرة الانتخابية”، التي تؤكد أن حب الناس والإصرار على النجاح ممكن جدا حين تتظافر جهود الجميع، وتكون النية خالصة لله والوطن والملك.
وبهذا الجهد وهذا الكفاح أمام خصوم سياسيين اشداء على خصومهم رحماء على أنفسهم فقط، وعلى من يصوت لصالحهم في هذه الفترة الانتخابية فقط؛ وبعدها يذوبون؛ كما تذوب الرمال الشاطئية عند كل موجة قوية تجذبها إلى عمق البحر، ولا تخرج إلا حين يرأف بها جزر ولو بعد حين، كذلك، نوابنا المحترمون يذوبون طوال الخمس سنوات ولا تتفحص الساكنة وجوههم، إلا حين يأتي موج الانتخابات فيدفع بهم إلى واجهة الأحداث.
بهذا الحب و هذا الجهد الجماعي تمكن الشاب” أسامة” من الفوز، وحملت نتائج اقتراع 23 شتنبر 2026 اسمه إلى واجهة المشهد الانتخابي، بعدما تمكن عبد العزيز باريك البالغ من العمر 28 سنة من الظفر بمقعد برلماني عن دائرة ميدلت، مرشحاً باسم حزب الوحدة والديمقراطية، في نتيجة شكلت واحدة من أبرز المفاجآت التي رافقت الاستحقاق التشريعي المغربي، وفق ما أبرزته تغطيات إعلامية وطنية.
إنها قصة مختلفة عن المسارات الانتخابية المألوفة؛ قصة شاب لم يبدأ من قاعات الاجتماعات الحزبية، وإنما من شاشة هاتفه، ومن قرى الجبل، ومن مقاطع فيديو اختار من خلالها أن ينقل إلى الرأي العام تفاصيل حياة سكان مناطق ظلت قضاياها بعيدة عن الأضواء، تعيش تهميشا مطلقا في كل المجالات، وبالأخص البنية التحية وربط الشبكة الطرقية.
من عاصمة التفاح إلى برلمان الرباط
ينحدر عبد العزيز باريك، الذي ولد في العام 11998في قرية “أسنتاث” التابعة لجماعة بوزمو بإقليم ميدلت، عاصمة التفاح؛ الذي؛ استطاع بصبره وكده أن يحصل على شهادة الإجازة في شعبة الجغرافيا. ولعل هذا التكوين لم يكن بعيداً عن طبيعة الاهتمامات التي طبعت حضوره الرقمي، إذ انشغل في عدد من خرجاته بقضايا المجال والتنمية الترابية والفوارق المجالية، وبالأخص أوضاع السكان في المناطق الجبلية والقرى النائية. هناك، حيث تتحول الثلوج في فصل الشتاء إلى عائق حقيقي أمام التنقل، وحيث تصبح المسافة بين القرية والمدرسة أو المركز الصحي اختباراً يومياً للسكان، هناك إذن، تشكل وعي باريك بقضايا المنطق وهمومها.
استعمل “أسامة” الفضاء الرقمي من خلال هاتفه ليطل على العالم وينقل قصصا مثيرة عن قريته، ويدافع عن كرامة أبنائها بحرقة ابن المنطقة التي يحلم بأن تتحول هذه المنطقة الجبلية إلى قرية نموذجية تتوفر فيها كل شروط الاستقرار والعيش الكريم.
ولهذا، فإن حديثه عن التلاميذ الذين يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى مدارسهم، وعن صعوبة التنقل أثناء التساقطات الثلجية، وعن ظروف الإقامة في الداخليات، لم يكن مجرد خطاب انتخابي عابر، وإنما امتداداً لتجربة شخصية واحتكاك مباشر بواقع المنطقة.
خاض “باريك” الانتخابات باسم حزب الوحدة والديمقراطية، مستفيداً من الحضور الذي راكمه على شبكات التواصل الاجتماعي، ومن شبكة من المتطوعين الشباب، في مواجهة أسماء سياسية أكثر رسوخاً في المشهد المحلي. وتصدر” باريك” نتائج دائرة ميدلت، التي خصصت لها ثلاثة مقاعد برلمانية، متقدماً على مرشحين من أحزاب أخرى، من بينهم رشيد طيبي علوي عن الحركة الشعبية ومروان شباعتو عن الأصالة والمعاصرة.
لكن الوصول إلى البرلمان شيء، وتحويل هذا الوصول إلى فعل سياسي وتشريعي شيء آخر. فالمنصة الرقمية تسمح بسرعة التعبير، وتوثيق المشاكل، وجذب الانتباه، وصناعة التفاعل. أما البرلمان، فله أدوات أخرى، التشريع، والرقابة، والأسئلة البرلمانية، والترافع عن الملفات، والمساهمة في صناعة السياسات العمومية.
وهنا يبدأ الاختبار الأصعب أمام البرلماني الشاب. هل سيتمكن النائب البرلماني عبد العزيز باريك فعلا من نقل الملفات التي كان يصورها بكاميرا هاتفه إلى أسئلة ومقترحات وملفات داخل المؤسسة التشريعية؟ وهل سينجح في تحويل قضايا الجبل التي شكلت أساس حضوره الرقمي إلى أجندة سياسية واضحة، تتعلق بالطرق والتعليم والصحة وفك العزلة والربط الرقمي والتنمية الاقتصادية؟ .



