أخبارالرئيسيةتقارير وملفات

ماكرون من مدريد..الهجرة ورقة تصعيد برسائل سياسية مشفرة

.

الحدث الإفريقي – تقرير تحليلي

في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للعلاقات المغربية الفرنسية، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته الرسمية إلى إسبانيا، أن يرفع نبرة الخطاب بشأن أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، واصفاً ما جرى بأنه “هجوم” تعرضت له إسبانيا، وأنه كان “هجوماً خارجياً ومتعدد الأبعاد”، في موقف حمل رسائل سياسية وأمنية تتجاوز مجرد التضامن مع مدريد.

وقال ماكرون، في مؤتمر صحفي إلى جانب رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، إن إسبانيا تعرضت لما وصفه بـ”هجوم خارجي ومتعدد”، مشيراً إلى أن التضليل المعلوماتي واستغلال معاناة المهاجرين ساهما في دفع عشرات الآلاف إلى محاولة العبور نحو سبتة. كما أكد ضرورة تعزيز التنسيق الأوروبي وحماية الحدود المشتركة.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، باعتبار أن أزمة سبتة ارتبطت بالحدود المغربية، في وقت تؤكد فيه الرباط عدم مسؤوليتها عن تنظيم عمليات العبور الجماعي، بينما تقول مدريد إن ضعف مراقبة الحدود ساهم في تفاقم الأزمة.

من التضامن مع مدريد إلى رسالة سياسية

اللافت في خطاب ماكرون ليس فقط تضامنه مع إسبانيا، وإنما اختياره لعبارة “هجوم خارجي ومتعدد”، وهي عبارة تفتح الباب أمام قراءة سياسية وأمنية أوسع للأحداث، خصوصاً أن الرئيس الفرنسي نفسه شدد في الوقت ذاته على استمرار التعاون مع السلطات المغربية في مجال إعادة المهاجرين والتعامل مع تداعيات الأزمة.

وبذلك يبدو أن باريس تحاول الجمع بين مسارين متوازيين: التأكيد على التعاون مع الرباط في ملف الهجرة، وفي الوقت نفسه دعم مدريد بقوة في مواجهة أزمة سبتة.

وهذا التوازن ليس جديداً في السياسة الفرنسية، لكنه يأتي في ظرف حساس تشهد فيه العلاقات المغربية الفرنسية إعادة ترتيب لملفات استراتيجية متعددة.

زيارة الملك إلى فرنسا.. التأجيل الذي يطرح الأسئلة

وفي ما يتعلق بزيارة الملك محمد السادس إلى فرنسا، فإن المعطيات المنشورة حديثاً تشير إلى أن الزيارة التي كانت مبرمجة في وقت سابق لم تعد مرتقبة خلال خريف 2026، وأن باريس اقترحت، وفق تقارير صحفية، الأسبوع الثالث من يناير 2027 موعداً محتملاً، في انتظار التوافق النهائي على التاريخ.

ويرتبط التأجيل، بحسب مصادر صحفية فرنسية، خصوصاً بالعمل على إعداد معاهدة ثنائية جديدة يفترض أن تشكل أحد أبرز مخرجات الزيارة، إلى جانب عوامل مرتبطة بالأجندة السياسية في البلدين.

لذلك، فإن الحديث عن أن التأجيل سببه حصراً “عدم وضوح الموقف الفرنسي” بشأن القضايا الاستراتيجية المغربية يبقى قراءة سياسية لا يمكن الجزم بها من دون معطيات رسمية.

ملفات قضائية مغربية في فرنسا.. هل هي مجرد مصادفات؟

ويأتي التصعيد في ملف الهجرة بالتزامن مع تطورات قضائية لافتة مست بعض الأسماء المغربية المعروفة في فرنسا.

ففي 26 شتنبر الماضي، قضت محكمة الاستئناف في كريتاي بسجن الفنان المغربي سعد لمجرد عشر سنوات في قضية اغتصاب تعود إلى سنة 2016، بعدما كان قد حكم عليه ابتدائياً سنة 2023 بالسجن ست سنوات. وأعلنت هيئة دفاعه نيتها الطعن أمام محكمة النقض، مع استمرار لمجرد في نفي الاتهامات الموجهة إليه.

وفي ملف آخر، أكدت محكمة النقض الفرنسية في 23 شتنبر إحالة الدولي المغربي أشرف حكيمي إلى المحاكمة أمام محكمة الجنايات المختصة، بعد رفض الطعن الذي تقدم به دفاعه. ويؤكد حكيمي نفيه للوقائع المنسوبة إليه، بينما ستُناقش عناصر القضية بشكل علني وتناقضي خلال المحاكمة.

كما تتواصل في باريس محاكمة رشيدة داتي في قضية مرتبطة بمدفوعات تلقتها من شركة مرتبطة بتحالف رونو-نيسان، وهي قضية تعود وقائعها إلى الفترة التي كانت فيها عضوة في البرلمان الأوروبي.

غير أن الربط بين هذه الملفات القضائية وبين السياسة الرسمية الفرنسية تجاه المغرب يظل فرضية تحتاج إلى أدلة مستقلة، خصوصاً أن القضاء الفرنسي يعمل وفق مسارات وإجراءات منفصلة عن القرارات الدبلوماسية.

هل نحن أمام ضغط فرنسي على الرباط؟

السؤال السياسي الذي تفرضه هذه التطورات هو: هل نحن أمام مجرد تزامن بين ملفات مختلفة، أم أن باريس تستخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أوراقاً متعددة للضغط على الرباط؟

لا توجد، حتى الآن، معطيات موثوقة تثبت وجود قرار فرنسي منظم لفتح هذه الملفات بالتزامن مع ملف الهجرة أو استعمال القضاء للضغط السياسي على المغرب. لكن تعدد الملفات وتزامنها في فترة تشهد إعادة صياغة للعلاقات الثنائية يجعلها مادة مشروعة للتساؤل والتحليل، لا للحسم والاستنتاج المسبق.

فالعلاقة بين الرباط وباريس قطعت، خلال السنوات الأخيرة، مسافة طويلة من التوتر إلى ما سمي رسمياً بـ”الشراكة الاستثنائية المعززة”، خصوصاً بعد زيارة ماكرون للمغرب في أكتوبر 2024. غير أن هذه الشراكة لا تزال تواجه ملفات حساسة، في مقدمتها قضية الصحراء المغربية، والهجرة، والتعاون الأمني، والعلاقات الاقتصادية، إضافة إلى القضايا القضائية ذات الصدى السياسي والإعلامي.

وفي المقابل، تؤكد المعطيات الرسمية الفرنسية استمرار التعاون مع المغرب في ملف الهجرة، بينما تشير المفوضية الأوروبية أيضاً إلى استمرار التعاون مع الرباط في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر.

سبتة.. نقطة تقاطع المصالح الأوروبية والمغربية

ما يجعل تصريحات ماكرون أكثر حساسية هو أن سبتة ليست مجرد ملف هجرة؛ فهي تقع في قلب علاقة معقدة بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي.

وتأتي الأزمة الأخيرة في وقت تستعد فيه إسبانيا لزيارة ملكها فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، في أول زيارة له إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش سنة 2014، وهو تطور قد يضيف عنصراً جديداً إلى النقاش المغربي الإسباني حول المدينتين.

ومن هنا، فإن دخول الرئيس الفرنسي على خط الأزمة، وبلهجة سياسية واضحة، يمنح قضية سبتة بعداً أوروبياً يتجاوز الإطار الثنائي بين الرباط ومدريد.

الخلاصة

ما صدر عن إيمانويل ماكرون من مدريد لا يمكن اختزاله في تصريح عابر حول الهجرة. فهو يأتي في سياق أوروبي شديد الحساسية تجاه أمن الحدود، وفي مرحلة دقيقة من إعادة بناء العلاقات الفرنسية المغربية.

لكن السؤال الذي سيظل مفتوحاً هو: هل يتعلق الأمر بتنسيق أوروبي طبيعي في مواجهة أزمة هجرة غير مسبوقة، أم أن باريس بدأت فعلاً في استخدام ملف الهجرة وأوراق أخرى لإعادة ضبط علاقتها مع الرباط؟

الإجابة تحتاج إلى مزيد من المعطيات، خصوصاً أن العلاقات المغربية الفرنسية أصبحت اليوم محكومة بحزمة واسعة من الملفات الاستراتيجية، وأن أي تصعيد في ملف واحد يمكن أن تكون له انعكاسات على ملفات أخرى.

وفي انتظار ما ستكشفه الأسابيع المقبلة، يبقى المؤكد أن سبتة عادت إلى واجهة العلاقات المغربية الأوروبية، وأن تصريحات ماكرون من مدريد أضافت إلى المشهد السياسي بين الرباط وباريس جرعة جديدة من التوتر والأسئلة.

يمكنني أيضاً ، مع عنوان قوي ومقدمة مشوقة وخاتمة تحمل أسئلة سياسية أعمق، مع الحفاظ على الفصل بين الوقائع والاستنتاجات.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button