
العداوة ثابتة والصواب يكون
ألمانيا- منير لكماني
«الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم». يستحضر بيت المتنبي صورة رجل واثق بما صنعه، لكن عبد الإله ابن كيران لا يدخل لقاء فاطمة الزهراء المنصوري وفي يده سيرته وحدها. يحمل أيضا قرارا اتخذه المجلس الوطني لحزبه بالاصطفاف في المعارضة. فهل يصمد القرار أمام حسابات تشكيل الحكومة، أم أن اللقاء يرسم حدود خصومة يريد الطرفان إبقاءها تحت سقف البرلمان؟
يقول المثل المغربي: «العداوة ثابتة والصواب يكون». وهو يصلح لوصف العلاقة بين حزبين طال سجالهما، شرط ألا يصبح المجاملة تفسيرا جاهزا لكل ما يجري بينهما. فقد يكون الاتصال خطوة معتادة من رئيسة حكومة مكلفة بالتواصل مع الأحزاب، وقد يكون استكشافا لهامش تفاوض لم تتضح حدوده بعد. والمعنى السياسي للقاء لن تحدده صورته، بل ما سيعلنه الطرفان وما ستكشفه مواقفهما اللاحقة.
الوقائع المتاحة قليلة: المنصوري اقترحت لقاء للتواصل، وابن كيران رحب وترك لها تحديد موعده. لا اتفاق معلنا بينهما، ولا عرضا حكوميا معروفا. في الوقت نفسه، قرر المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية الاصطفاف في المعارضة. يجتمع إذن موقف حزبي واضح مع باب حوار مفتوح؛ وأي حديث عن تحول في موقع الحزب، أو عن هدنة برلمانية، يظل احتمالا يحتاج إلى دليل.
غير أن القرار الحزبي لا يغلق باب الأسئلة. فإذا عرضت على العدالة والتنمية مشاركة وزارية، فهل يتمسك ابن كيران بخيار المعارضة الذي قدمه حزبه بعد الانتخابات؟ أم يدعو مؤسساته إلى مراجعته لقاء نفوذ أكبر في تدبير المرحلة؟ ليس دخول الحكومة خطيئة في ذاته، كما أن البقاء خارجها ليس شهادة استقلال تلقائية. المعيار هو اتساق القرار مع ما قيل للناخبين، ووضوح أسبابه، والقدرة على تحمل نتائجه.
وعلى الجهة الأخرى، ماذا تريد المنصوري من هذا التواصل؟ إذا كان غرضها الاستماع إلى حزب اختار المعارضة، فهي تفتح قناة مفيدة في بداية ولايتها. أما إذا كانت تبحث عن تخفيف حدة الاعتراضات قبل عرض برنامجها، فمن حق الرأي العام أن يعرف أين ينتهي الحوار وأين تبدأ التفاهمات السياسية. فالتهدئة قد تسهل العمل البرلماني، لكنها تفقد معناها حين تتحول إلى صمت عن قرارات تستوجب المساءلة.
تستدعي كلمة «البلوكاج» تجربة تعثر تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2016، حين كان ابن كيران نفسه مكلفا بجمع الأغلبية. غير أن الأدوار تبدلت اليوم. المنصوري هي المطالبة بالتفاهم مع الأحزاب الراغبة في الحكم، ثم بتقديم برنامج يحظى بثقة مجلس النواب. أما حزب أعلن اختياره المعارضة، فلا يمكن تحميله مسبقا مسؤولية تعثر مفاوضات لم يدخلها. وإذا تغير موقعه، وجب أن يعلن ذلك بقرار سياسي واضح.
سيكون اللقاء، إن انعقد، اختبارا لشيئين في آن واحد: قدرة المنصوري على بناء أغلبية منسجمة من دون طلب حصانة من النقد، وقدرة ابن كيران على ممارسة معارضة فعلية من دون تحويل كل اختلاف إلى أزمة. هنا تقع مصلحة الوطن التي قد يستند إليها الطرفان؛ في حكومة تتحمل مسؤولية قراراتها، وبرلمان يعرف فيه المواطن من يؤيدها، ومن يعارضها، ولماذا.
يمكن أن يبقى الخلاف قائما وأن «يكون الصواب». لكن الصواب السياسي أوسع من المصافحة: إنه وضوح المواقع بعد انفضاض اللقاء، حين يوضع البرنامج على الطاولة وتبدأ المحاسبة.



