
بقلم: الأديب مولاي الحسن بنسيدي علي
في حياة الإنسان أناسٌ كنت تظن أن ظهورهم سند، وأن أيديهم التي امتدت إليك يومًا لن تنسحب، وأن القلوب التي فتحت لك أبوابها لن تغلقها في وجهك مهما تبدلت الأيام.
كنتَ لهم ظهرًا حين انحنت ظهورهم، ويدًا ممدودة حين ضاقت بهم السبل، تقف مع الضعيف قبل القوي، ومع الصغير قبل الكبير، لا ابتغاءً لمدح ولا انتظارًا لمكافأة، وإنما لأنك تربيت على أن المعروف لا يُشترى، وأن صلة الرحم ليست صفقة، وأن الوقوف إلى جانب الإنسان في ضعفه من شيم الكرام.
وكانت الصدور يومها مشرعة، والأحضان مفتوحة، والقبلات تسبق الكلمات، والعناق يقول ما لا تستطيع الألسن قوله.
ثم دارت الأيام…
وما أقسى الأيام حين تدور على من ظن أن الوجوه لا تتغير!
حين تضيق بك الدنيا، ويقل المال، وتثقل الحاجة، ويصبح المرء عاجزًا عن مجاراة من حوله في أفراحهم ومظاهرهم، تظهر حقيقة الوجوه التي لم تكن تراها في زمن الرخاء.
فمن كان يستقبلك بالأحضان بالأمس، قد يكتفي اليوم بإدارة وجهه.
ومن كان يملأ المكان بعبارات الود، قد يصبح وجودك عنده ثقيلًا.
ومن كان يرى فيك الرجل الذي لا يُستغنى عنه، قد يراك فجأة إنسانًا لا قيمة له لأن جيبه أصبح خفيفًا، ولأن الظروف أخذت منه بعض ما كان يملك.
وهنا تعرف أن بعض الناس لا يحبون الإنسان، وإنما يحبون ما يملكه الإنسان.
فإذا بقيت النعمة، بقيت محبتهم، وإذا انحسرت، انحسرت معها الوجوه.
وما أوجع أن يكتشف المرء بعد سنوات أن بعض الأحضان لم تكن حبًا، وإنما كانت مصلحة، وأن بعض الكلمات الجميلة لم تكن وفاءً، وإنما كانت انتظارًا لما في اليد.
لكن هؤلاء نسوا أن الدنيا لا تستقر على حال.
نسوا أن من كان قويًا قد يضعف، ومن كان غنيًا قد يحتاج، ومن كان في القمة قد يجد نفسه يومًا يبحث عن من يمد له يده.
نسوا أن دوام الحال من المحال، وأن الأيام لا تعرف الإقامة عند أحد.
قال تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾.
فسبحان من يغير ولا يتغير، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، ويرفع أقوامًا ويخفض آخرين، ويجعل الغد يحمل من المفاجآت ما لم يخطر على قلب بشر.
ولذلك، لا تحزن كثيرًا حين يتخلى عنك من كنت تظنهم أقرب الناس.
فقد يكون ابتعادهم عنك كشفًا لا خسارة، وقد يكون سقوطهم من حياتك نعمة لم تعرف قيمتها إلا بعد حين.
إن بعض البعد أرحم من بعض القرب.
وبعض الغياب أكرم من حضورٍ يجرح الكرامة.
وبعض الأبواب حين تُغلق في وجهك، تكتشف بعد سنوات أن الله أغلقها رحمة بك، لا عقابًا لك.
والأشد إيلامًا أن بعض الناس إذا أحسنت إليهم، لم يروا إحسانك إحسانًا، بل جعلوه حقًا مكتسبًا لهم.
فإذا توقفت يدك عن العطاء، نسوا كل ما قدمته، وتذكروا فقط ما لم تقدمه.
وحين تكبر للقطط أظافرها، يكون أول من تخربشه أحيانًا هو ذلك الذي أحسن إليها وأطعمها وحماها.
ومع ذلك، لا تجعل إساءتهم تغير معدنك.
فليس المطلوب أن تصبح مثلهم لأنهم لم يكونوا مثلك.
ولا تجعل خيانتهم تعلمك الخيانة، ولا جحودهم يعلمك الجحود.
سامح إن استطعت، ولكن لا تمنح من يؤذيك فرصة متكررة لإيذائك.
واصل رحمك بما تستطيع، لكن لا تجعل صلة الرحم بابًا يدخل منه من يريد تحطيمك.
فصلة الرحم فضيلة، وحفظ الكرامة فضيلة أيضًا، وبين الفضيلتين طريق من الحكمة لا يعرفه إلا من خبر الناس وذاق مرارة التجربة.
أما الذين اختاروا أن يبتعدوا عنك لأن حالك تبدل، فاتركهم للزمن.
لا تطاردهم، ولا تشرح لهم قيمتك، ولا تستجدِ منهم محبة.
فالإنسان لا ينبغي أن يطرق بابًا أغلقه صاحبه في وجهه، ولا أن يقف طويلًا أمام قومٍ لم يعد وجوده بينهم يعني لهم شيئًا.
دع الأيام تتحدث عنك.
فالأيام أصدق من الكلام، والزمن كفيل بأن يعيد لكل إنسان صورته الحقيقية.
وقد يأتي يوم يعرف فيه من استهان بك أنك لم تكن ضعيفًا كما ظن، وإنما كنت كريمًا.
ويعرف من ظن أن الدنيا ملك يده أن الملك لله وحده.
ويعرف من أهان المحتاج أن الحاجة ليست عيبًا، وأن الفقر قد يكون عابرًا، بينما دناءة النفس قد تكون داءً لا دواء له.
فامضِ يا من أخذت منك الأيام بعض ما تملك، ولم تأخذ منك كرامتك.
امضِ بقلب لا يحمل حقدًا، ولكن بعين مفتوحة.
أحسن، ولكن لا تكن ساذجًا.
سامح، ولكن لا تنسَ الدرس.
واصل، ولكن لا تسمح لأحد أن يهينك باسم الرحم.
وإذا ضاقت بك الدنيا، فتذكر أن الله وحده يبدل الأحوال.
فكم من فقير أغناه الله، وكم من ضعيف قواه، وكم من مكسور جبره الله، وكم من إنسان ظنه الناس انتهى، فإذا به يبدأ من جديد أقوى مما كان.
أما أولئك الذين اختاروا أن تكون علاقتهم بك رهينة المال والمصلحة والمكانة، فدعهم حيث اختاروا أن يكونوا.
لا تحمل لهم في قلبك إلا ما تستطيع.
ثم قل بهدوء من عرف الدنيا حق المعرفة:
سلامٌ عليكم بما صبرتم، وسلامٌ على من اتبع الهدى.
فالرحيل عن بعض الناس ليس هزيمة…
بل أحيانًا يكون أول انتصار للإنسان على من أراد أن يجعل كرامته ثمنًا لبقائه بينهم..



