أخبارالرئيسيةفي الصميم

الاعتقاد الفردي وحدود الالتزام المؤسسي بالمغرب

ألمانيا- منير لكماني

تزداد الكلمات ثقلا كلما اقترب صاحبها من القرار. فالرأي الذي يحتمل التأويل في لقاء حزبي يصبح، داخل السلطة، سؤالا عن القواعد التي ستوجه أفعالها. وعندما يتعلق الأمر بعلاقة الاعتقاد بالحكم، تتسع دائرة السؤال لتشمل هوية البلاد وحقوق الأفراد وحدود الصلاحيات. عندئذ، يصبح الوضوح ضرورة لبناء الثقة، ويغدو الصمت مساحة يملؤها الآخرون بتفسيراتهم ومخاوفهم ورهاناتهم.

بهذا المنظور، يستحق السجال المحيط بفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة، نقاشا يتجاوز الاصطفافات. فالحديث المنسوب إليها عن خصوصية الاعتقاد يثير سؤالا: هل المقصود صيانة الإيمان من الاستغلال الانتخابي، أم نفي أثره في البناء المؤسسي؟ وتختلف نتائج الاتجاهين، ولا يستقيم التعامل معهما كأنهما موقف واحد. والمطلوب تفسير يصل الفكرة بنتائجها العملية حين تصبح صاحبتها مسؤولة عن القرار.

تقوم التجربة المغربية على تركيب يجمع المرجعية الروحية والاختيار الديمقراطي والحقوق الأساسية. وتثبت وثيقة 2011 مكانة الإسلام، وتكفل ممارسة الشعائر، وتخص العاهل بصلاحيات إمارة المؤمنين، وتحدد جهة الفتوى المعتمدة. وتقر التعددية والمساواة والمحاسبة. لذلك تحتاج هذه الركائز إلى قراءة متصلة، تحفظ توازنها وتمنع اختزالها؛ فالانتقاء الذي يستحضر عنصرا ويغفل سواه يضعف الفهم، وقد ينتج عنه انحراف في الممارسة.

وعلى هذا الأساس، فإن استقلال التجربة الإيمانية للفرد لا يلغي المرجعيات التي تأسس عليها النظام القانوني. كما أن حضور تلك المرجعيات لا يمنح أي تنظيم حق احتكارها أو تحويلها إلى معيار لإقصاء المختلفين. هنا تكمن دقة القيادة: احترام القواعد المشتركة، وإفساح المجال للتنافس داخلها، وحماية الناس من تحويل معتقداتهم إلى موضوع للمزايدة. وبقدر ما يتضح هذا التمييز، ينحسر الخلط بين الاقتناع الشخصي والالتزام المؤسسي.

وتظهر هذه الدقة عند تناول الزواج والميراث والأموال المحبسة والتمويل التشاركي. فهذه ميادين تتصل فيها الخيارات القانونية بمصادر فقهية وآليات مؤسسية، وتحتاج معالجتها إلى معرفة بمساطرها. ومع ذلك، لا يصح اختزال المنظومة القانونية بأكملها في مصدر واحد؛ فهي ثمرة مسار تاريخي تتعدد فيه القواعد والمراجع. ولذلك يقاس الإصلاح بسلامة أساسه، وعدالة مقاصده، وقدرته على تحسين أحوال المعنيين دون تجاوز الإطار الملزم.

وينطبق المنهج نفسه على التعهدات الخارجية. فالأولوية المقررة للاتفاقيات المصادق عليها ترتبط بشروط دستورية وبالهوية الراسخة، ولا تعني إطلاق يد السلطة لتجاوزهما. ويحتاج الاحتجاج بالخصوصية إلى حجة واضحة، حتى لا يتحول إلى ذريعة ترفض كل تجديد. والمهمة الجادة هي البحث عن الصيغ التي تحقق الوفاء بالتزامات البلاد، وتحفظ مرجعياتها، وتوسع ضمانات الإنصاف، بعيدا عن الشعارات التي تزيد الخصومة وتؤجل الحلول.

وتتحدد مسؤولية المنابر التي تعيد نشر التصريحات. فلها أن تدافع عن أفكارها وأن تنتقد أصحاب المناصب، لكن الإنصاف يقتضي استعادة السياق وإتاحة التفسير. أما تحويل عبارة مختصرة إلى التزام دائم، فيضيق مساحة النقاش ويستبق اختيارات لم تتضح بعد. وتصبح محاولة توجيه السلطة أكثر خطورة حين تستبدل الحجة بالضغط، وتتعامل مع صاحب القرار بوصفه امتدادا لتوجهها، لا مؤتمنا على مصالح مجتمع متنوع.

ولذلك يشكل عرض الخطة التنفيذية ومناقشتها أمام ممثلي الأمة فرصة لتقديم أجوبة محددة. كيف ستدار الملفات المرتبطة بالهوية والحقوق؟ وما حدود اختصاص كل مؤسسة؟ وبأي منهج ستراجع النصوص المختلف بشأنها؟ لن يصنع الاطمئنان وعد عام باحترام الجميع؛ إنه يتطلب تصورا معلنا، ومساطر واضحة، وضمانات قابلة للفحص. عندها ينتقل السجال من تأويل النيات إلى تقييم الاختيارات، ومن محاكمة الأقوال إلى مساءلة النتائج.

وتزداد قيمة الوضوح حين يقترن بالإصغاء. فالبلاد تضم حساسيات متعددة، ومصالح متباينة، وانتظارات تتجاوز المنازعات الفكرية. ومن واجب القيادة أن تستوعب هذا التنوع، وأن تربط أي تعديل بحاجات الناس وآثاره عليهم. فالعدالة في توزيع الأعباء، وصيانة الكرامة، ونزاهة المرافق، تمنح المرجعيات أثرها الملموس. وحين تصبح المبادئ حماية فعلية للإنسان، يكتسب الحديث عنها صدقه، وتستعيد الثقة أساسها الذي يضعفه التناقض بين الخطاب والفعل.

وتتطلب القيادة نضجا يجعل التجديد موصولا بذاكرة البلاد، والاختلاف محكوما بقواعدها، والصلاحية مقترنة بالحساب. وتستحق هذه المهمة شجاعة الشرح بقدر ما تستحق إرادة الإنجاز. فالمجتمع يطمئن حين يعرف كيف تتخذ القرارات، وبأي سند، ولصالح من. والقيادة التي تدرك ثقل الأمانة تمنح كلماتها حياة في أفعالها؛ إذ تكون الهوية محفوظة حين تصان كرامة أهلها، وتكون الثقة راسخة حين يجد الوعد طريقه إلى الوفاء.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button