أخبارالرئيسيةفي الصميم

المغرب الرقمي..التنمية على محك الإنصاف

ألمانيا-منير لكماني

مواطن يحصل على وثيقته في دقائق، وآخر يقضي أياما بين المكاتب؛ في هذه المسافة الصغيرة ظاهريا تختبئ أسئلة التنمية والعدالة والثقة. لذلك، يتجاوز التحول الرقمي في المغرب تحديث الأجهزة وإطلاق التطبيقات، ليطرح سؤالا أعمق: كيف تتحول التكنولوجيا إلى منفعة عامة يشعر بها الناس، بصرف النظر عن دخلهم ومكان إقامتهم ومستواهم التعليمي؟

أظهرت تجربة جائحة كورونا أن الخدمات الرقمية تستطيع حفظ استمرارية التعليم والعمل والمبادلات، والمساعدة على إيصال الدعم إلى مستحقيه. لكنها كشفت أيضا تفاوت القدرة على الاستفادة منها. فالمنصة التي تقرب الخدمة من أسرة متصلة بالإنترنت قد تضع أسرة أخرى أمام باب مغلق، بسبب ضعف الشبكة أو غياب التجهيز أو المهارات.

من هنا، تبدأ الرقمنة الجادة بإعادة النظر في طريقة اشتغال الإدارة. نقل الاستمارة الورقية إلى شاشة لا يكفي إذا بقي المواطن مطالبا بالوثائق نفسها والتنقلات نفسها. المطلوب تبسيط المساطر، وتبادل المعطيات بين المؤسسات وفق ضوابط واضحة، وتحديد آجال الاستجابة، وتمكين المرتفق من تتبع طلبه ومعرفة أسباب تأخره والاعتراض على رفضه.

يمتد هذا المنطق إلى المدرسة والمستشفى والمحكمة. فالتعليم الرقمي يوسع موارد التعلم ويدعم الأستاذ، شرط مراعاة الفوارق بين المتعلمين. والملف الطبي المشترك يمكن أن يحسن التنسيق بين الأطباء ويحد من تكرار الفحوص. أما الخدمات القضائية الرقمية، فتستمد قيمتها من تيسير الوصول إلى العدالة، وصون السرية، وضمان حقوق المتقاضين.

اقتصاديا، يتيح التحول الرقمي للمقاولات تحسين الإنتاج والتوزيع والتواصل مع الزبائن، ويفتح أمام المشاريع الصغيرة أسواقا تتجاوز حدودها المحلية. غير أن الحضور على الإنترنت يحتاج إلى مهارات وتمويل وخدمات لوجستية وثقة في المعاملات. لذلك، تقتضي مواكبة المقاولات الصغرى تقديم حلول تناسب مواردها، وربط الدعم بتحسن قدرتها على الإنتاج والمنافسة.

وتتيح الخدمات المالية الرقمية تقريب الادخار والأداء والتمويل من فئات يصعب عليها الوصول إلى المصارف. كما يمكن أن تساعد على إدماج الأنشطة غير المهيكلة، إذا اقترنت بإجراءات مبسطة وحوافز واضحة. فالغاية أن يجد أصحاب هذه الأنشطة مصلحة في الانتقال إلى الاقتصاد المنظم، ضمن علاقة تقوم على الثقة.

تتسع الفرصة حين ينتقل الطموح من استهلاك الحلول المستوردة إلى تطوير منتجات وخدمات محلية. فدعم الشركات الناشئة والبحث العلمي والتكوين التقني يمكن أن يؤسس لقدرات وطنية قابلة للتصدير، خصوصا نحو الأسواق الإفريقية. ويحتاج ذلك إلى تمويل ملائم، ومنافسة عادلة، وطلبات عمومية تتيح للمبتكرين إثبات كفاءتهم، بعيدا عن الامتيازات غير المستحقة.

بيد أن الوعود الاقتصادية لا تلغي الكلفة الاجتماعية. أتمتة بعض المهام قد تقلص الحاجة إلى وظائف، وتخلق طلبا على أخرى تتطلب مهارات مختلفة. ولهذا، يصبح التكوين المستمر وإعادة التأهيل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمقاولة. كما يستدعي العمل عبر المنصات حماية اجتماعية وشروطا منصفة، حتى تترافق مرونة التشغيل مع استقرار العامل وكرامته.

وتبقى العدالة الرقمية شرطا يجمع هذه الأوراش. فتعميم اتصال جيد وميسور الكلفة ينبغي أن يواكبه توفير فضاءات للمساعدة والتعلم، وتصميم خدمات تراعي كبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة وتنوع اللغات. كذلك، تظل المساعدة البشرية والقنوات الحضورية ضرورية، لأن صعوبة استعمال تطبيق لا يجوز أن تحرم مواطنا من حقه في خدمة عمومية.

تطرح هذه التحولات أيضا مسألة الثقة. فحماية المعطيات الشخصية تقتضي قواعد واضحة تحدد من يجمعها ولماذا، ومن يطلع عليها، وكيف تصحح الأخطاء المرتبطة بها. وكل توسع في تبادل المعلومات يجب أن تصاحبه مساءلة واضحة وأمن سيبراني فعال. فالسرعة تفقد قيمتها حين تصبح خصوصية المواطن معرضة للاستغلال أو تتشتت المسؤولية بين مؤسسات متعددة.

الحاجة ملحة، تبعا لذلك، إلى حكامة تقيس النتائج في حياة الناس: مدة المعاملة، وكلفتها، ووضوح مسارها، ومدى استفادة المناطق البعيدة منها. وتقتضي أيضا الاستثمار في الموظف، وتنسيق المشاريع بين الإدارات، وتقييمها باستمرار، حتى لا تتكاثر المنصات بينما يظل المرتفق حائرا بينها. الإصلاح الحقيقي يظهر حين تختفي المشقة التي أنشئت الخدمة لتجاوزها.

المغرب أمام فرصة لربط تحديث اقتصاده بتجديد الثقة في مؤسساته. ونجاحه رهين بقدرته على تحويل الابتكار إلى فرص مشتركة، وحماية من تعثروا في الانتقال، وتمكين الكفاءات من صناعة الحلول. عندئذ، تصبح الوثيقة التي تستخرج في دقائق علامة على تحول أوسع: دولة تحترم وقت مواطنيها، وتنمية يجد فيها كل إنسان مكانه.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button