أخبارالرئيسيةثقافة و فنجهات المملكة

الشعر الصوفي..جسر للشفاء الروحي والتقارب بين الثقافات في مهرجان فاس

الحدث الإفريقي – فاس

سلّط المنتدى الفكري للدورة الثامنة عشرة لمهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم، المنعقد يوم السبت، الضوء على الأبعاد الروحية والإنسانية للشعر الصوفي، باعتباره وسيلة للبحث عن المعنى واستعادة التوازن الداخلي، وجسراً لتعزيز الحوار والتقارب بين الثقافات، وذلك تحت شعار «الشعر الصوفي.. إكسير للشفاء».

وتندرج هذه التظاهرة، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ضمن مساعي توظيف الثقافة والفنون في ترسيخ قيم الإنسانية والروحانية والسلام، في سياق عالمي تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتتزايد فيه التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، بما يطرح أسئلة عميقة حول مكانة الإنسان والمعنى والقيم الروحية في الحياة اليومية.

وفي كلمة بالمناسبة، أكد رئيس المهرجان، فوزي الصقلي، أن هذه التظاهرة الثقافية تروم إعادة بناء الصلات بين الحكمة والشعر والجمال، وإبراز قدرة الإبداع الفني والفكر الثقافي على إحياء التجربة الروحية وتعميق الصلة بالذات والآخر.

وأوضح أن التراجع التدريجي للحضور الروحي في الثقافة المعاصرة، بالتوازي مع التحولات العميقة التي يفرضها التطور التكنولوجي، يستدعي إعادة التفكير في موقع الحكمة ودورها في توجيه الإنسان ومساعدته على مواجهة تحديات العصر.

وأضاف أن مدينة فاس مؤهلة لتعزيز مكانتها باعتبارها ملتقى روحياً وثقافياً تتفاعل داخله التقاليد والحساسيات المختلفة، مشيراً إلى أن الشعر الصوفي يتيح آفاقاً للارتقاء بالفكر والوجدان، ويعزز قيم الكرامة الإنسانية والانفتاح على الآخر.

فوزي الصقلي رئيس المهرجان

وشدد الصقلي على أن تعدد الثقافات والتجارب الروحية يشكل ثروة إنسانية قادرة على تقريب الشعوب وتجاوز الحواجز بينها، مستحضراً مقولة الفيلسوف الفرنسي تيار دو شاردان: «كل ما يسمو يتلاقى»، في إشارة إلى ما يجمع التجارب الإنسانية من تطلعات مشتركة نحو الجمال والحقيقة والارتقاء الروحي.

واعتبر أن المهرجان لا يقتصر على تقديم العروض الفنية، بل يشكل فضاءً للتأمل واستكشاف التجارب الإنسانية ومصادر الفكر والخيال التي تغذي الإبداع، مبرزاً أن الشعر يمتلك لغة كونية قادرة على فتح مساحات للحوار وترسيخ قيم السلام والتفاهم بين الثقافات.

قيس بن يحيى: الشعر بحث عن المعنى واستعادة للأمل

من جانبه، أكد الشاعر والكاتب قيس بن يحيى، الذي حظي بتكريم خلال هذا اللقاء، أن الشعر يمثل مجالاً مفتوحاً للبحث عن المعنى وتقاسم التجارب الإنسانية والارتقاء الروحي، بفضل قدرته على إحياء الأمل وتقريب المسافات بين الناس.

وأعرب بن يحيى عن اعتزازه بهذا التكريم، مشيراً إلى أن المسار الإبداعي، وإن بدا في ظاهره تجربة فردية، يتشكل في العمق من خلال اللقاءات والتجارب والأصوات الإنسانية، فضلاً عن دعم الآخرين وإسهامهم في توسيع آفاق الفكر وتعميق الحس الإنساني.

وفي معرض حديثه عن انتقاله من مجال العلوم إلى عالم الشعر، أوضح أن المجالين يلتقيان في جوهرهما عند الرغبة في الفهم وطرح الأسئلة والبحث عن المعنى، رغم اختلاف أدواتهما ومناهجهما، لافتاً إلى أن التجربة الإنسانية تظل محاطة بمساحات من الغموض تستدعي التأمل والاستكشاف.

وأضاف أن الشعر يتيح تجاوز المظاهر السطحية والنفاذ إلى أعماق الإنسان، حيث يمكن للهشاشة أن تتحول إلى مصدر للنور، وللحب أن يصبح قوة للمصالحة مع الذات والآخر. ورغم عجز الشعر عن مداواة جميع جراح العالم، فإنه يظل قادراً على منح الروح أسباب الأمل، والقلب حرية الحب، والإنسان شعوره بكرامته.

واعتبر أن الشعر يحقق أعمق معانيه عندما يتجاوز حدود التعبير الفردي ليصبح نوراً مشتركاً تتقاسمه التجارب الإنسانية، ويسهم في نقل القيم وترسيخ المحبة والأخوة والتضامن بين البشر.

فاس.. ملتقى الروحانية والإبداع وحوار الثقافات

وتكرّس هذه الدورة مكانة مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم باعتباره منصة للحوار الثقافي والفكري، وفضاءً لاستكشاف الروابط بين الروحانية والإبداع الفني والقيم الإنسانية، مع إبراز الشعر الصوفي بوصفه جسراً للتواصل ومصدراً للأمل في عالم مثقل بالأزمات والتحديات.

وتتواصل فعاليات الدورة الثامنة عشرة، المنظمة خلال الفترة الممتدة من 17 إلى 24 أكتوبر الجاري، من خلال برنامج متنوع يجمع بين الحفلات الموسيقية واللقاءات الفكرية والتجارب الفنية، وينفتح على قضايا الروحانية والبحث عن المعنى ودور الجمال في مواجهة أزمات الإنسان المعاصر.

وتهدف هذه الدورة إلى جعل فاس فضاءً يلتقي فيه الموروث الروحي المغربي بحكم العالم وتجاربه الثقافية المتنوعة، عبر استكشاف قدرة الشعر والفن والجمال على إعادة وصل الإنسان بذاته وبمحيطه، واستعادة الأمل في عالم تطبعه الجراح والمحن.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، يطرح المهرجان الشعر الصوفي باعتباره أكثر من تعبير جمالي؛ إنه تجربة إنسانية تسعى إلى ترميم الروح، وتعزيز قيم التعايش، وتأكيد أن الحوار بين الثقافات يبدأ من البحث المشترك عن المعنى، ومن الإيمان بما يجمع الإنسانية رغم اختلاف لغاتها وتقاليدها ومعتقداتها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button