أخبارالرئيسيةصحافة وإعلاموسائط التواصل

بول العربي مامير يفضح أعطاب الصحافة المغربية

حين يقتحم شاب من ذوي متلازمة داون مهنة الصحافة ويتخرج من معهدها، يصبح السؤال المحرج؛ هل أزمتنا في الإعاقة أم في عقول بعض الذين يعتقدون أن الصحافة امتياز خاص بهم؟

الحدث الإفريقي-الرباط

ليس بول العربي مامير مجرد قصة نجاح تستحق التصفيق العابر، ولا اسما جديدا يضاف إلى قائمة الوجوه التي تستثمر وسائل الإعلام في قصصها الإنسانية لبضع ساعات ثم تنساها. إن مساره يضع الصحافة المغربية أمام مرآة قاسية، ويطرح سؤالا لا ينبغي أن يهرب منه العاملون في المهنة؛ هل نقيس الصحفي بكفاءته وأخلاقياته وقدرته على خدمة المجتمع، أم بشكله وصورته ومدى انسجامه مع القوالب التي اعتدناها؟

في 19 نونبر 2025، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» بالمغرب عن تعيين بول العربي مامير مناصرا يافعا لحقوق الطفل. ووفقا للمنظمة، أصبح في يوليوز 2025 أول شخص حامل لمتلازمة داون يحصل على شهادة في الصحافة بالمغرب، بعد تقديم مشروع نهاية دراسته بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط.

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية، و هنا أيضا يبدأ السؤال الذي قد يزعج بعض الذين يتحدثون طويلا عن الاحترافية، بينما يختزلون المهنة في المظاهر والألقاب و العلاقات.

لقد أمضى بول سنوات في مسار تعليمي انتهى بالحصول على شهادة أكاديمية في الصحافة. لم تمنحه متلازمة داون الشهادة، ولم تمنعه من السعي إليها؛ الذي يستحق التقدير هو التكوين والعمل والمثابرة، إلى جانب حقه في أن يقيم وفق مؤهلاته الفعلية.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يواجه الوسط الإعلامي المغربي هو؛ كم من الطاقات تقصى، لا لأنها عاجزة عن العمل، بل لأن المؤسسات لم تتعلم بعد كيف تفتح أبوابها أمام الاختلاف؟ وكم من حديث عن تحديث الإعلام والانتقال الرقمي و تطوير المحتوى، لا يقابله استعداد حقيقي لمراجعة العقليات و أساليب الانتقاء والتوظيف؟.

الاحترافية ليست امتلاك ميكروفون، ولا وضع صفة «صحفي» بجانب الاسم، ولا الظهور المتكرر أمام الكاميرات. الاحترافية مسؤولية، و تكوين، و دقة، و أخلاقيات، و احترام لكرامة الإنسان و حقه في التعبير و المشاركة.

ومن غير المقبول أن يتحول الاختلاف الجسدي أو الذهني إلى مبرر مسبق للحكم على كفاءة شخص، كما لا يجوز أن تتحول قصته الإنسانية إلى إعفاء من المعايير المهنية التي يخضع لها سائر الصحفيين.

و ليس الهدف وضع بول في مواجهة الصحفيين، ولا الادعاء بأن جميع العاملين في القطاع يعانون الاختلالات نفسها. فالصحافة المغربية تضم مهنيين أكفاء، وصحفيين يشتغلون بإخلاص في ظروف صعبة، ويؤدون أدوارا أساسية في تنوير الرأي العام ومراقبة الشأن العام.

لكن تجربة بول تفتح بابا مشروعا للنقاش حول الفجوة بين الخطاب والممارسة. كيف يمكن لوسيلة إعلامية أن تدافع عن حقوق الإنسان في افتتاحياتها، ثم لا تمنح الأشخاص ذوي الإعاقة فرصة عادلة لإثبات قدراتهم؟ و كيف يمكن لمؤسسة أن تتحدث عن صحافة القرب والإنصات للمواطنين، بينما تظل أبوابها بعيدة عن فئات اجتماعية لا تجد من يمثلها داخل غرف التحرير؟ وأي معنى للاحترافية إذا لم تترافق مع المهنية والإنصاف و احترام التنوع؟

هذه أسئلة لا تستهدف أشخاصا بعينهم، ولا تسمح بإدانة أي مؤسسة دون أدلة، لكنها تضع الجميع أمام مسؤولية مراجعة المعايير والممارسات. بول لا يحتاج إلى امتياز لأنه مختلف؛ بل يحتاج، مثل غيره، إلى فرصة عادلة ومعايير واضحة ومساحة يثبت فيها كفاءته.

تؤكد تجربة بول أن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، بل يمكن أن تكون وسيلة لإبراز القضايا التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، وفتح النقاش حول الحقوق والكرامة والمشاركة.

و من خلال شبكاته الاجتماعية، عمل على التوعية بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، فيما أصبح، بعد تعيينه من طرف اليونيسف في 19 نونبر 2025، مناصرا يافعا لحقوق الطفل، مع اهتمام خاص بالأطفال ذوي الإعاقة.

وهنا ينبغي الانتباه إلى نقطة جوهرية؛ الصحافة المجتمعية لا تعني تقديم الأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارهم موضوعا للشفقة، ولا تحويلهم إلى مادة عاطفية ترفع نسب المشاهدة. إنها تعني إشراكهم في النقاش العام، والإنصات إلى آرائهم، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن قضاياهم بأنفسهم.

فليس كافيا أن تتحدث الصحافة عن هذه الفئات؛ الأهم أن تتيح لها مساحة لتشارك في صناعة الخطاب الإعلامي.والفرق كبير بين صحافة تتحدث باسم الناس دون أن تسمعهم، وصحافة تمنحهم فرصة المشاركة في تحديد الأسئلة وصياغة الأجوبة.

إن تجربة بول تفرض على المؤسسات الإعلامية أن تنتقل من الاحتفاء الرمزي إلى الممارسة العملية. من خلال اعتماد معايير توظيف وتدريب واضحة تقوم على المؤهلات والكفاءة والقدرة على أداء المهام، مع توفير الترتيبات التيسيرية المعقولة عند الحاجة؛ و فتح فرص التدريب الميداني أمام الصحفيين الشباب من ذوي الإعاقة، وعدم استبعادهم بناء على افتراضات مسبقة؛ و تطوير المحتوى الإعلامي المتعلق بالإعاقة، بعيدا عن التنميط والاستغلال العاطفي، وبما يحفظ كرامة الأشخاص و استقلاليتهم؛ وأيضا إشراك الصحفيين ذوي الإعاقة في النقاشات المتعلقة بأخلاقيات المهنة، وولوج المعلومة، وحرية التعبير، وحق الجميع في المشاركة في الحياة العامة، مع تقييم التجارب وفق نتائجها المهنية الفعلية، لا وفق قدرتها على إثارة التعاطف أو صناعة العناوين المثيرة.

فالإدماج ليس صورة تذكارية، وليس بلاغا احتفاليا، وليس شعارا يُرفع في المناسبات الدولية. إنه سياسة وممارسة ومسؤولية قابلة للتقييم والمساءلة. من السهل الاحتفاء ببول مامير، ونشر صورته، والإشادة بإصراره، ثم العودة إلى الممارسات المعتادة. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء موجة الإعجاب.

هل ستجد تجربته صدى في سياسات التوظيف والتكوين داخل المؤسسات الإعلامية؟ و هل ستتحول قصته إلى مناسبة لمراجعة كيفية التعامل مع الصحفيين الشباب من ذوي الإعاقة؟ وهل سيُقيّم عمله على أساس جودة إنتاجه الصحفي، مثل أي مهني آخر؟

هذه هي الأسئلة التي تستحق المتابعة، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو المبالغة في الاحتفاء. وليس من العدل أن نطالب بول بأن يكون استثنائيا طوال الوقت حتى نعترف بحقه في العمل. فالأشخاص ذوو الإعاقة، مثل سائر المواطنين، لهم الحق في النجاح والتعثر والتعلم والتطور، دون أن يتحول كل إنجاز إلى معجزة، أو كل إخفاق إلى حكم على فئة بأكملها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button