الإعلام والانتخابات..بين التنوير والتأثير

يُعدّ الإعلام أحد أهم الركائز التي تقوم عليها العملية الديمقراطية، فهو المرآة التي تعكس نبض المجتمع، والوسيلة التي تتيح للناخبين الاطلاع على البرامج الانتخابية ومواقف المرشحين. غير أن دوره لا يقتصر على نقل الأخبار والمعلومات، بل يمتد ليصبح فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وتوجيهه، ما يجعل العلاقة بين الإعلام والانتخابات علاقة معقدة تتأرجح بين التنوير والتأثير.
في الأنظمة الديمقراطية، يُفترض أن يكون الإعلام سلطة رابعة تراقب وتكشف وتُسائل. خلال الانتخابات، تتجلى هذه الوظيفة في تمكين المواطنين من اتخاذ قراراتهم على أساس من المعرفة والوعي. فالتغطية المتوازنة، والتحليل الموضوعي، وإتاحة الفرصة لجميع الأطراف لعرض وجهات نظرهم، كلها عناصر تضمن انتخابات نزيهة وشفافة. الإعلام الحر والمسؤول يسهم في رفع مستوى النقاش العام، ويمنع احتكار الحقيقة من قبل جهة واحدة.
لكن الوجه الآخر للإعلام يظهر حين يتحول من ناقل للمعلومة إلى صانع للرأي. فبعض وسائل الإعلام قد تنحاز لمرشح أو حزب، وتستخدم أدواتها لتوجيه الجمهور نحو خيارات محددة. ومع انتشار الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل تضخيم الأخبار المضللة أو تزييف الحقائق، مما يهدد نزاهة العملية الانتخابية. هنا يتحول الإعلام من وسيلة للتنوير إلى أداة للتلاعب بالعقول.
وفي نفس السياق، تتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية كبرى في الحفاظ على المهنية والحياد، خاصة في الفترات الانتخابية الحساسة. كما أن على الجمهور دورًا لا يقل أهمية، يتمثل في التحقق من المعلومات ومصادرها قبل تبنيها أو مشاركتها. فالإعلام لا يعمل في فراغ، بل يتفاعل مع جمهور يملك القدرة على التمييز والمساءلة.
و يبقى الإعلام سلاحًا ذا حدين في زمن الانتخابات. يمكن أن يكون قوة دافعة نحو الوعي والمشاركة، أو وسيلة لتضليل الناخبين وتشويه الحقائق. التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد التوازن بين حرية الإعلام ومسؤوليته، وبين حق الجمهور في المعرفة وواجبه في التفكير النقدي. فحين يلتزم الإعلام بالموضوعية، ويُقبل المواطن على المعلومة بعقل ناقد، تصبح الانتخابات فعلًا ديمقراطيًا حقيقيًا يعبر عن إرادة الشعب لا عن تأثير الشاشات.
و مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في المغرب، يعود النقاش مجددًا حول الدور الذي يلعبه الإعلام في مواكبة هذا الحدث الوطني، ومدى قدرته على ضمان تغطية مهنية ومتوازنة تعكس تنوع المشهد السياسي والاجتماعي. فالإعلام المغربي، بمختلف وسائطه التقليدية والرقمية، يقف اليوم أمام اختبار حقيقي بين الالتزام بالموضوعية وبين الانجراف نحو الاصطفاف أو الإثارة.



