فيضانات القصر الكبير..قبح الفساد
يبدو أن مدينة القصر الكبير قررت أن تتحول إلى نسخة مغربية من مدينة البندقية الايطالية السياحية، لكن دون قوارب ولا سياح ولا رومانسية. فقط مياه عكرة، شوارع غارقة، ومواطنون يسبحون في الليل كما في النهار، مفجوعين ومتألمين لهذا الغزو المائي غير المنتظر بهذا الحجم وبهذا الدمار، بينما المنتخبون والسياسيون يراقبون المشهد من شرفات منازلهم المحصنة ونوافذ سياراتهم الفارهة البعيدة عن عمق المدينة التي عرت الفيضانات فيها عن قبح الفساد المتجذر في سلوك المسؤولين.
الفياضانات ضغطت لتوفير تعبئة كبيرة من طرف المواطنين والسلطات المحلية والجيش الملكي بتعليمات ملكية من أجل إنقاذ المواطنين الغرقى بداخل منازلهم، و أيضا المرضى في المصحات والمستشفيات التي غمرتها المياه.
الفيضانات الأخيرة التي ضربت القصر الكبير لم تكن مفاجأة لأحد، سوى لحجم منسوب المياه الغير مسبوق، ذلك أن المنتخببن وحدهم الذين يكتشفون كل عام أن المطر يسقط من السماء، وأن البنية التحتية ليست إلا مجرد شعار انتخابي يُكتب على اللافتات. فكلما هطلت الأمطار، انكشفت الحقيقة، وبانت اسقاطات الفساد الانتخابي. المدينة بلا تصريف، بلا تخطيط، وبلا رقيب ولا حسيب.
في ساعات قليلة من تساقط الأمطار، تحولت الأحياء إلى بحيرات، والمنازل إلى أحواض سباحة مجانية. السيارات، و المحلات التجارية غرقت، والناس فقدوا ممتلكاتهم، بينما اكتفى بعض المنتخبين بنشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي وهم يرتدون أحذية مطاطية، في محاولة يائسة لإقناع الناس بأنهم “في الميدان”. الحقيقة أنهم في الميدان فقط عندما تحضر الكاميرات، لا عندما تشتد الأمطار.
المؤلم أن هذه الكارثة ليست الأولى، فالقصر الكبير تعيش منذ سنوات على وقع الوعود الغارقة في الطين. مشاريع الصرف الصحي تُعلن ثم تختفي، والميزانيات تُرصد ثم تتبخر، والساكنة تُترك لتواجه الطبيعة بوسائل بدائية. وكأن قدر هذه المدينة أن تدفع ثمن الإهمال المزمن، وأن تتحول كل شتاء إلى نشرة جوية حزينة.
المنتخبون الذين وعدوا بإصلاح البنية التحتية مشغولون اليوم بإصلاح صورهم السياسية، أما المواطنون فمشغولون بإصلاح ما أفسدته المياه في بيوتهم. والنتيجة؟ مدينة تغرق في الماء، ومسؤولون يغرقون في الكلام.
القصر الكبير لا تحتاج إلى لجان تحقيق جديدة ولا إلى بيانات تضامن موسمية، بل إلى ضمير سياسي حي يدرك أن البنية التحتية ليست ترفًا، بل حقًّا من حقوق الحياة الكريمة. لأن ما يحدث اليوم ليس كارثة طبيعية، بل كارثة بشرية صنعها الإهمال وساهم في تعميقها الصمت.
وقد آن الأوان لأن يُسأل هؤلاء الذين يرفعون شعارات التنمية، أين ذهبت الملايير التي صُرفت على مشاريع لم تصمد أمام أول قطرة مطر؟ وأين هي المحاسبة التي تغيب كلما غابت الشمس عن القصر الكبير؟
المدينة لا تحتاج إلى خطب جديدة، بل إلى مجاري مياه حقيقية. لا تحتاج إلى صور فيسبوكية، بل إلى قرارات جريئة. فالمطر، مهما كان غزيرًا، لا يغرق المدن التي تُبنى على الصدق، لكنه يُغرق تلك التي تُبنى على التسويف و الأكاذيب.



