أخبارالرئيسيةتقارير وملفاتسياسة

مؤتمر الحمامة..حين يتحوّل الحزب إلى جنازة سياسية مؤجلة

لم ينعقد المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار باعتباره محطة تنظيمية لتجديد القيادة، بل كطقس سياسي مشحون بالدلالات، كشف أكثر مما أخفى، وفضح ارتباكًا داخليًا حاولت الخطب والدموع تغليفه بورق الوفاء والامتنان. كان المشهد أقرب إلى جنازة سياسية مؤجلة، لا إلى ميلاد مرحلة جديدة.

منذ اللحظة الأولى، بدا أن كل شيء محسوم سلفًا. لا منافسة، لا صراع برامج، ولا حتى اختلاف في النبرة. اسم واحد، اتجاه واحد، وتصفيق موحّد. وحين يُطلب من المؤتمرين التصويت في غياب أي بديل، يصبح السؤال الحقيقي: لِمَ التصويت أصلًا؟ فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الأصوات، بل بوجود الاختيار، والاختيار هنا كان الغائب الأكبر.

لكن ما منح المؤتمر طابعه الاستثنائي لم يكن نتائج الصناديق، بل انفجار العاطفة. بكاء علني، أصوات مختنقة، ومشاهد وداع تُدار بالكاميرات أكثر مما تُدار بالعقول. تحول السياسيون، فجأة، إلى شخصيات مأزومة عاطفيًا، وكأنهم يودّعون زعيمًا تاريخيًا إلى مثواه االأخير، لا رئيس حزب ما يزال على قيد الحياة، أنهكته سنوات الحكم وأثقلته الأرقام الاقتصادية والاجتماعية.

المفارقة أن هذه الدموع لم تُذرف الان امام هذه الفيضانات التي جرفت منازل بساكنتها وأغرقت مدنا أجبرت ساكنتها على الفرار نحو مخيمات بنيت لهم من طرف السلطات المحلية في غياب تام للحكومة، هذه الدموع لم تذرف يومًا أمام ارتفاع أرقام الغلاء، ولا أمام اتساع الفجوة بين الأجور والأسعار، ولا حين عجزت الحكومة عن تقديم أجوبة مقنعة حول البطالة، أو فشل الوعود الكبرى التي سُوّقت انتخابيًا كمنقذ اقتصادي.

هناك، كان الخطاب تقنيًا باردًا، والأرقام تُستعمل كدروع حمائية، أما في المؤتمر، فقد انهارت كل الحواجز، وبقيت الدموع وحدها تتكلم.

الأخطر في المشهد ليس البكاء ذاته، بل الرسالة التي حملها حزب يختزل وجوده في شخص، ويختزل تاريخه في مرحلة، ويعجز عن تخيّل نفسه دون راعٍ قوي يضمن التماسك والانضباط. لذلك، بدا المؤتمر أقل احتفالًا بالقيادة الجديدة، وأكثر يأسا لإقناع الذات، بأن الحزب ما زال واقفًا.

ثم جاء الغياب… غياب ثقيل، لا يمكن تبريره بالصدفة ولا بالتقنية. مقاعد فارغة، أسماء غائبة، وتنظيم فقد القدرة على الحشد. وهذا الغياب ليس تفصيلًا، بل مؤشر على أن جزءًا من القاعدة لم يعد يرى جدوى في المشاركة، أو لم يعد يشعر بأن صوته يحدث فرقًا. حين تغيب القناعة، يحضر الكرسي الفارغ، وحين تموت السياسة، لا تنقذها الخطب.

لقد كشف المؤتمر، دون قصد، أن حزب التجمع الوطني للأحرار لم يبنِ بنيته على الفكرة، بل على الوفرة والسلطة. وحين تراجعت الهيبة، وانكشفت الحصيلة، لم يبقَ سوى استدعاء العاطفة كآخر خط دفاع. غير أن العاطفة لا تُنتج مشروعًا، ولا تحمي حزبًا من التآكل، ولا تُقنع ناخبًا يبحث عن خبزٍ أقل ثمنًا، ولا تمسح دموعا أكثر صدقًا.

لهذا يمكن القول، أن المؤتمر لم يكن إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة، بل إقرارًا غير معلن بنهاية مرحلة. محطة كان فيها الحزب قويًا بوجود شخص، لا بصلابة مؤسسة. وحين يُصبح الوداع أقوى من البرنامج، و منسوب البكاء أعلى من النقد، نكون أمام حزب يودّع نفسه بنفسه، بهدوء، تحت تصفيقٍ حزين، ودموعٍ لا تغيّر شيئًا.

ارحموا عزيز قومٍ(..… )فحتى الحمامة، حين تُثقَل أكثر مما تطير، تسقط بصمت.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button