نادية دابرايم..التكوين مفتاح سوق الشغل والمؤسسات تبحث عن “البروفايل”
في زمن تتسارع فيه التحولات داخل سوق الشغل المغربي، لم يعد امتلاك شهادة أكاديمية كافياً لضمان مقعد في عالم المهن، خصوصاً في المؤسسات التعليمية الخاصة التي تمزج بين الكفاءة المعرفية والبعد الإنساني. فبينما يظن البعض أن التفوق الدراسي هو مفتاح النجاح، تكشف التجربة الميدانية أن الكلمة الفصل أصبحت للتواصل المهني، باعتباره مهارة تحدد من يظفر بالفرصة ومن يغادرها خالي الوفاض.
من الشهادة إلى المهارة: معادلة النجاح الجديدة
تتكرر في مقابلات التوظيف مشاهد لافتة، حيث نجد مترشحين يحملون مؤهلات علمية محترمة، لكنهم يعجزون عن تقديم أنفسهم بثقة وإقناع، في حين ينجح آخرون بملفات متوسطة بفضل حضورهم التواصلي وقدرتهم على بناء انطباع إيجابي. هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يعاني المترشحون من نقص في الكفاءات، أم من ضعف في التعبير عنها؟.
التواصل المهني.. تسويق المهارات
التواصل المهني لا يقتصر على حسن الكلام أو المظهر الأنيق، بل هو منظومة متكاملة من المهارات تشمل القدرة على تسويق الذات بوضوح، وفهم ثقافة المؤسسة، والتفاعل بمرونة مع مختلف المواقف. يتجلى هذا التواصل في تفاصيل دقيقة مثل صياغة السيرة الذاتية باحتراف، التحكم في لغة الجسد، اختيار العبارات المناسبة أثناء المقابلة، والقدرة على الإصغاء والتفاعل الواعي. إنها مهارة تُقاس بالفعل لا بالتصريح، وتُبنى بالتدريب لا بالافتراض.

مؤسسات تبحث عن “البروفايل” لا عن الشهادة
تؤكد معطيات ميدانية أن المؤسسات بمختلف اهتماماتها ومجالاتها وتخصصها، لم تعد تكتفي بحاملي الشهادات، بل تبحث عن “بروفايلات مهنية” قادرة على الاندماج والتفاعل. غير أن عدداً كبيراً من المترشحين ما زال يتعامل مع المقابلة الشفوية كاختبار شكلي، فيقع في أخطاء متكررة، اذ تجده يكرر إجابات محفوظة، غياب الربط بين التجربة الذاتية ومتطلبات الوظيفة، ضعف في الحضور أو في إيصال الفكرة، هذه الممارسات تكشف فجوة بين ما يعتقده المترشح كافياً، وما تنتظره المؤسسة فعلياً.
التعليم الخاص.. ميدان التواصل اليومي
في المجال التربوي، كما في باقي المجالات، لا يُعد التواصل مهارة إضافية، بل هو جوهر الممارسة اليومية. فالأستاذ مطالب بالتفاعل مع المتعلمين، والتواصل مع الإدارة، وبناء علاقة متوازنة مع أولياء الأمور. لذلك، فإن المقابلة داخل مؤسسة تعليمية خاصة لا تختبر فقط المعرفة الأكاديمية، بل تقيس أيضاً القدرة على بناء العلاقات المهنية وإدارة المواقف بذكاء ولباقة. من يفتقر إلى أدوات التواصل يجد نفسه عاجزاً عن أداء دوره، مهما بلغت معرفته.

فجوة التكوين وسوق الشغل
رغم الدعوات المتكررة إلى اعتماد المقاربة بالكفايات، لا يزال التكوين الأكاديمي يركز على الجانب المعرفي أكثر من المهاري. يتخرج الطالب متمكناً من تخصصه، لكنه يفتقر إلى أدوات تقديم نفسه والتفاعل في بيئة مهنية حقيقية. هذه الفجوة تجعل الانتقال من مقاعد الدراسة إلى سوق الشغل انتقالاً صعباً، بل ومحبطاً في كثير من الأحيان.
التكوين المستمر.. جسر العبور نحو الاحتراف
أمام هذا الواقع، تبرز أهمية التكوينات التطبيقية في التواصل المهني. تجارب ميدانية عديدة أظهرت تحولات ملموسة لدى المشاركين بعد خضوعهم لتدريبات عملية. فمترشح كان يعجز عن الإجابة بثقة، أصبح قادراً على تقديم نفسه بوضوح وتنظيم، ومتدربة أخرى استطاعت تحويل محدودية تجربتها إلى نقطة قوة بفضل تعلمها كيفية ربط مهاراتها الشخصية بمتطلبات الوظيفة.
مهارة تُكتسب لا تُولد
التواصل المهني ليس امتيازاً فطرياً، بل مهارة قابلة للاكتساب والتطوير عبر التدريب والممارسة. إنه استثمار في الذات، يفتح أبواب الفرص أمام من يتقن فن التعبير عن كفاءاته، ويجعل من المقابلة المهنية مساحة لإبراز القيمة الحقيقية لا مجرد اختبار شكلي.
يبدو أن مستقبل الاندماج المهني في المغرب لن يُحسم بالشهادات وحدها، بل بقدرة الأفراد على تحويل معارفهم إلى حضور مؤثر، وتواصل فعّال، وسلوك مهني يترجم الكفاءة إلى نجاح ملموس.



