يا رب يزكٓلها

بقلم: الاستاذ مولاي الحسن
لم يعد شيء بريئًا في هذا العالم؛
كل شيء صار مُسيّسًا: الثقافة، الرياضة، الفن، وحتى المطر—كأن الغيث نفسه صار يُوزَّع بقرار، ويُمنع بفيتو. وإن كانت السياسة علمًا يُدرَّس لفهم تدبير الشأن العام، فقد جرى اغتصابها وتحويلها إلى خبثٍ منظم، واختيالٍ أجوف، وتباهٍ بالخيانة في اذغال عبيد السنغال، بل ومجاهرةٍ بالفجور حين تُداس القيم باسم العنف الممنهج، وتُقايَض الأخلاق بنتيجة عابرة غير مستحقة.
ما الذي جرى للعقول؟
كيف تحوّلت من عُقّالٍ تزن الأمور بميزان الحكمة، إلى عِقالٍ مشدودة لا تفرّق بين المثل النبيلة والخسة، بين التنافس الشريف والندالة المقنّعة؟
لقد اختلطت المعايير، فصار الباطل صاخبًا، والحق خجولًا، وصارت الجموع تصفق لا لمن يستحق، بل لمن يعلو صوته أكثر.
في الملاعب—حيث كان يفترض أن تُحتفى بالفرحة—عمت الفوضى واحترقت الأعصاب وارتفعت الحناجر تحت التهديد بالتصفية الجسدية بالسنغال وحوش القارة؛ “يا رب يزكلها” دعوة صدح بها شباب في عمر الزهور؛ ولا تدخل الكرة الشباك ليس كراهة في فوز بلدهم وإنما مخافة أن تزهق روحه ومن معه من المغاربة على ايادي الفجرة الظلمة.
فحلّ الصراخ محلّ المتعة وسالت دماء لاعيبينا ودموعنا من كبيرنا إلى صغيرنا ونحن نرى حقنا يهضم تحت التهديد السافر، وبانت الشماتة محلّ الروح الرياضية في بلاد البعبع حسام الأهبل وأرض الذئب زنكة زنكة وفي شوارع قيس غير السعيد دمية الزريبة ناهيك عن فرحة اولاد الكراغلة بهزيمة فريقنا الوطني وعند من شاركناهم اللقمة والماء والدماء وجعلنا شعارنا غزة قبل تازة وفضلناهم عن أنفسنا فأول “ما شطحوا نطحوا”. فلكم من الٱن غزة ولنا تازة.
وتسرب السحر والشعوذة والخرافة إلى جنبات مرمى الحارس الأهوج، وكأن الفوز لا يُنال بالعرق والجهد وبالانضباط، بل بالطلاسم والتمائم. والجميع يرى… ولا أحد يحرك ساكنًا. صمتٌ جماعي يواطئ العبث، ويمنحه شرعية الأمر الواقع.
أما الحكم، فكان أضعف من أن يكون ميزانًا للعدل، وأثقل من أن يتحرر من لونٍ بشرته ويثقل صفارته. وضربة الجزاء—التي لا تخطئها عين—لم تكن معهودة من لاعب دولي له اسمه ومكانته؛ لم تكن رمية معتادة، ولا زلة قدم عابرة. شيء ما كان يحرك المشهد من خلف الستار، وربما لعبت أمور استدعت الحذر حقنا لدماء ابنائنا مَن رفع على أعناقهم سكاكين الاغتيال دورها حيث ينبغي لتضحية دياز أن تكون فداء لارواح جاليتنا بالسنغال.
ومع ذلك، لا يهم أصحاب العقول المأسورة سوى شماتة الخصوم؛
تلك الشماتة التي تُغذي النفوس الجائعة للانتصار بأي ثمن، ولو كان ثمنه الشرف. انتصارٌ بلا قيمة، وتُوِّج بالكأس لكنه خسر المعنى. فليس كل فائز منتصرًا، وليس كل مهزوم مهزومًا.
نصرخ بصمت…
وتكتب دموعنا تاريخًا آخر:
أن الفريق لم ينهزم،
وأن المنتصر لم يفز بالشرف.
التاريخ لا يحفظ الأهداف وحدها، بل يحفظ الكيف.
لا يخلّد النتيجة فقط، بل يخلّد الطريق إليها.
وفي يومٍ تتساقط فيه الأقنعة، سيبقى السؤال معلّقًا في الذاكرة الجماعية:
من ربح المباراة؟
ومن خسر القيم؟
ذلك هو الفارق بين فوزٍ يُنسى، وشرفٍ لا يُهزم.
وعاش المغرب سيدا مهاب الجانب ولا عاش من خانه



