ليلة الأميرات الصغيرات..كيف تتحول أزقة فاس إلى عرس ملائكي في ليلة القدر

في مدينة فاس، حيث تختلط رائحة التاريخ بعبق التقاليد، لا تمر ليلة السابع والعشرين من رمضان كأي ليلة عادية؛ إنها ليلة لها مذاق خاص، ليلة تتحول فيها الأزقة العتيقة إلى مسرح لطقس اجتماعي جميل، حيث تخرج “الأميرات الصغيرات” في موكب احتفالي يفيض بالبراءة والجمال.
مع اقتراب موعد الإفطار، تبدأ البيوت الفاسية في التحضير لحدث ينتظره الأطفال بشوق كبير، وخصوصا منهم المؤنسات الغاليات، حيث تفتح الصناديق الخشبية القديمة التي تحفظ القفاطين المطرزة، وتخرج الأمهات أجمل ما لديهن من لباس تقليدي لتزيين بناتهن كأنهن عروسات، ترتدي الطفلات قفاطين فاخرة بألوان زاهية؛ الأحمر القاني، الأخضر الزمردي، والذهبي اللامع، كأنهن فراشات خرجن للتو من حكاية شرقية بطابع مغربي.
وقبل حلول الليل بقليل، ترسم على أكفهن نقوش الحناء بدقة ومحبة.. تلك الخطوط المتشابكة ليست مجرد زينة عابرة، بل هي جزء من ذاكرة جماعية متوارثة، تشهد على استمرار تقاليد فاسية عريقة تعود إلى أجيال بعيدة.لكن اللحظة الأكثر سحرا تأتي حين تحمل الطفلات على “العمّاريات”، تماماً كما يحدث في الأعراس المغربية، تتجمع العائلات في الأزقة والساحات، وتبدأ الزغاريد تتعالى والموسيقى الأندلسية، فيما تتحرك العماريات ببطء وسط الحضور المتميز من الأهالي والجيران وحتى المارة من الشارع، تبدو الطفلات فوقها كأنهن أميرات صغيرات في موكب ملكي، يلوحن بخجل، وتلمع أعينهن فرحا ودهشة.
في تلك اللحظة، لا تكون فاس مجرد مدينة عتيقة؛ بل تتحول إلى لوحة حية من الفرح الجماعي؛ فتجد الأمهات يبتسمن بفخر، الآباء يلتقطون الصور، والجدات يراقبن المشهد بعينين ممتلئتين بالحنين، كأنهن يشاهدن تكرارا لطقوس عشنها في طفولتهن.
إنه طقس بسيط في ظاهره، لكنه عميق في معناه؛ فمهما تواكب الزمن وكاد ان يطوي التقاليد معه، ما تزال فاس تقاوم النسيان، وتصر كل عام على أن تمنح أطفالها لحظة سحرية يشعرون فيها بأنهم جزء من حكاية قديمة لا تزال تروى.ليلة السابع والعشرين..،
في فاس ليست فقط ليلة عبادة وابتهال… بل أيضاً ليلة فرح بريء، تتجسد فيها الطفولة في أجمل صورها، ليلة تصبح فيها الطفلات أميرات صغيرات، وتتحول المدينة كلها إلى عائلة واحدة تحتفي بالجمال والذاكرة وروح رمضان.
وما أجمل أن تبقى مثل هذه الطقوس حية، لأنها تذكرنا بأن المدن ليست حجارة فقط، بل قصص وذكريات وابتسامات أطفال… تحمل فوق الميدات والعماريات، وتطوف في القلب قبل الأزقة..



