نحو جامعة مغربية أكثر تخصصا .. الحكومة تراهن على الذكاء الاصطناعي والطب لفك ضغط الاكتظاظ وتعزيز جودة التكوين

يشهد قطاع التعليم العالي بالمغرب مرحلة جديدة من التحديث وإعادة الهيكلة،بعد إعداد الحكومة لمشروع مرسوم يروم مراجعة الخريطة الجامعية الوطنية بشكل شامل في إطار رؤية إصلاحية تستهدف تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ورفع جودة التكوينات الجامعية وتعزيز العدالة المجالية في توزيع المؤسسات والخدمات الجامعية بمختلف جهات المملكة.
ويأتي هذا المشروع استجابة للتحولات الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، وما تفرضه من ضرورة ملاءمة التكوينات الجامعية مع حاجيات التنمية الوطنية ومتطلبات سوق الشغل المتجددة، خاصة في ظل بروز مهن جديدة مرتبطة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر والصناعات التكنولوجية المتقدمة.
ويهدف الإصلاح إلى الانتقال من نموذج المؤسسات الجامعية متعددة التخصصات إلى مؤسسات أكثر تخصصا واستقلالية،بما يساهم في تحسين الحكامة الجامعية وتطوير جودة التأطير البيداغوجي والإداري وتوفير ظروف أفضل للبحث العلمي والابتكار،فضلا عن تمكين الطلبة من مسارات أكاديمية أكثر وضوحا وملاءمة لتطلعاتهم المهنية.
ومن أبرز الإجراءات التي يتضمنها المشروع إعادة هيكلة عدد من الكليات متعددة التخصصات بكل من الحسيمة،الناظور ،آسفي وتحويلها إلى مؤسسات جامعية متخصصة تغطي مجالات العلوم القانونية -السياسية والاقتصادية -التدبير-العلوم التطبيقية- اللغات – الآداب والفنون، إضافة إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية.
كما يقترح المشروع فصل كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بكل من فاس ،تطوان ، طنجة ،مراكش وقلعة السراغنة إلى مؤسسات مستقلة،عبر إحداث كليات متخصصة في العلوم القانونية والسياسية وأخرى للاقتصاد والتدبير. و يرتقب أن يساهم هذا التوجه في الحد من ظاهرة الاكتظاظ التي تعرفها بعض المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح، وتحسين تدبير المسارات الدراسية والرفع من مردودية التكوين الجامعي.
في المجال الصحي، ينص المشروع على تطوير العرض الجامعي الطبي من خلال تغيير تسمية كلية الطب والصيدلة بوجدة لتصبح “كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان”، بما يعكس توسيع اختصاصاتها الأكاديمية واستجابتها للحاجيات المتزايدة للمنظومة الصحية الوطنية من الأطر والكفاءات المتخصصة.
ولا تقتصر الإصلاحات على إعادة الهيكلة فحسب، بل تشمل أيضا توسيع الشبكة الجامعية الوطنية عبر إحداث مؤسسات جديدة في عدد من المدن المغربية، من بينها الرباط -القنيطرة -سطات -تارودانت وبنسليمان. ومن المرتقب إحداث المدرسة العليا لإدارة الأعمال التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط وكلية الاقتصاد والتدبير بالقنيطرة وكلية العلوم والتقنيات بتارودانت، فضلا عن المعهد الوطني للرقمنة والذكاء الاصطناعي ببنسليمان،الذي يعكس التوجه الاستراتيجي للمغرب نحو الاستثمار في التكنولوجيات الحديثة ومهن المستقبل.
كما يتضمن المشروع إحداث كلية للطب والصيدلة بسطات، وكلية للطب والصيدلة وطب الأسنان بالقنيطرة، في سياق دعم الأوراش الكبرى التي أطلقها المغرب في القطاع الصحي، خاصة ما يتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع الولوج إلى الخدمات الصحية وتقليص الخصاص المسجل في الموارد البشرية الطبية.
ويرى متابعون أن هذه الخطوة تمثل تحولا نوعيا في مسار تحديث الجامعة المغربية، إذ من شأنها تعزيز جاذبية المؤسسات الجامعية، وتحقيق توزيع أكثر توازنا للعرض التكويني بين الجهات، وتقوية التكوين في التخصصات الاستراتيجية التي أصبحت تشكل رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وتندرج هذه الإصلاحات ضمن رؤية وطنية أشمل تروم بناء جامعة مغربية عصرية ومنفتحة، قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية العالمية، وإعداد أجيال جديدة من الكفاءات المؤهلة للمنافسة في سوق العمل الوطني والدولي، بما يعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي للمعرفة والبحث العلمي والابتكار.



