
بقلم/ ربيع كنفودي
من وزير تكنوقراط دخل الحكومة من بوابة الأرقام والميزانية، إلى سياسي يقف فوق المنصات الانتخابية ويوجه سهامه إلى الحكومة نفسها التي كان جزء من دوائر قرارها. هكذا يمكن قراءة التحول اللافت في خطاب فوزي لقجع، الذي انتقل في ظرف وجيز من صورة المسؤول التقني إلى صورة الفاعل الحزبي الذي يخوض مواجهة سياسية مفتوحة لخوض غمار استحقاقات 23 شتنبر 2026.
التحول في حد ذاته ليس مشكلة، فالانخراط الحزبي حق سياسي، والانتقال من التكنوقراط إلى العمل الحزبي أمر مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المسؤول الحكومي إلى ناقد للحصيلة الحكومية، وهو لا يزال جالسا على كرسي الحكومة.
فلقجع اليوم ليس وزيرا سابقا يتحدث من خارج السلطة، بل وزيرا منتدبا مكلفا بالميزانية وعضو في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي يخوض الانتخابات في مواجهة سياسية مع حلفائه في الأغلبية. وقد ظهر بوضوح في الحملة الانتخابية للحزب، وجعل شعار “تغيير المسار” إحدى الرسائل المركزية في خطابه السياسي.
السياسة اليوم، ليست مجرد تغيير في الخطاب، وإنما هي أيضا مسؤولية عن الماضي، فحين يقول مسؤول حكومي إن الغلاء أفرغ الزيادات في الأجور والدعم من أثرهما، كما صرح لقجع خلال الحملة الانتخابية في زاكورة، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند تشخيص المشكلة، بل يجب أن يمتد إلى سؤال المسؤولية، لماذا لم يكن هذا التشخيص جزء من الخطاب الحكومي والمؤسساتي طوال الولاية، ولماذا لم تستجب الحكومة لمطالب الشعب حين ردد واحتج عن غلاء الأسعار؟ ولماذا رفضت الحكومة تعديلات ومقترحات في مشروع قانون المالية، ولم تستجب لمقترحات أحزاب المعارضة، بل اعتبرتها مزايدات؟
لذلك، لم يعد المواطن يحتاج إلى من يخبره بأن الأسعار ارتفعت وأن القدرة الشرائية تراجعت، بل يحتاج إلى معرفة من اتخذ القرار، ومن دافع عنه، ومن اعترض عليه، ومن يتحمل مسؤولية نتائجه. لأن الانتقال من مقاعد الحكومة إلى منصات الحملة الانتخابية لا يمحو السنوات السابقة، ولا يعيد ضبط عداد المسؤولية من الصفر.
لهذا فالتحول السياسي في شخصية فوزي لقجع يضعه أمام معادلة دقيقة، فكلما ارتفع صوته في نقد الاختيارات الحكومية، ارتفع معه سؤال موقعه السابق داخل الحكومة، وكلما قدم نفسه باعتباره صاحب حلول جديدة، عاد السؤال حول ما الذي كان يمنعه من الدفع بهذه الحلول عندما كان جزء من السلطة التنفيذية.
فوزي لقجع اليوم أمام امتحان مختلف عن كل الامتحانات التي خاضها سابقا، حيث لم يعد الأمر يتعلق فقط بالأرقام والميزانية والجامعة وكرة القدم وإنما بالسياسة، والمواطن لا يريد أن يعرف أن المسار يحتاج إلى تغيير، وإنما ينتظر الإجابة عن السؤال المباشر، إذا كان المسار يحتاج إلى تغيير، فمن كان جزء من هذا المسار؟ وهنا قد تكون المفارقة السياسية الأكبر، لقجع لم ينتقل فقط من التكنوقراط إلى السياسي، بل وجد نفسه مطالبا بأن يشرح للمغاربة كيف يمكن لمن كان داخل غرفة القرار أن يقف اليوم على بابها منتقدا ما جرى فيها، فالمعارضة من خارج الحكومة شيء، والمعارضة من داخلها شيء آخر… أما الأصعب فهو أن تكون في السلطة وفي الوقت نفسه تخوض معركة سياسية على تغييرها.



