
بقلم: د. مهدي عامري -كاتب و أستاذ باحث، المعهد العالي للإعلام والاتصال-الرباط
تأمل معي هذا المشهد : كرةٌ تتدحرج على العشب، حشود ترغي و تزبد، جماهير تهتف، وأعلام تخترق الفضاء كأنها امتدادات عضوية للأجساد والقلوب. يبدو لك هذا الديكور عنوانا لتلاحم الشعوب، و تظن أن كرة القدم تجمع الأمم وتقرّب بين الطوائف.. لكن، مهلا.. لاحظ أن هذه الوحدة المزعومة لا تولد إلا من داخل الانقسام، وأن الفرح لا يشتعل إلا على حافة الإقصاء. أنت لا تكتفي بالتشجيع، بل تلتف بعلم واحد، وتمنحه معنى نهائيًا، وتحوّله من رمز ثقافي إلى قوقعة هوياتية صلبة. هنا يبدأ الخطر. أنت لا تشجّع فريقًا فقط، بل تؤكد انتماءً جغرافيا مغلقًا، وتعيد رسم الحدود داخل عقلك الباطن. هل لك أن ترى كيف يتحوّل العلم من علامة للتعارف إلى حاجز حقيقي بين النفوس؟ ألم تكتشف أن القميص الوطني ليس إلا لغة صامتة لكنها ناطقة بهذه الكلمات : أنا هنا، والبقية هناك..؟ وكأن الهوية لا تستطيع أن تعيش و تبقى على قيد الحياة إلا وهي تكشر عن انيابها في وجه الآخر المختلف راغبة في محقه و ربما افتراسه.. فهل لا يشعر الإنسان بوجوده إلا عندما يختزل ذاته في انتماء واحد ساحق لما سواه؟
جرب أن تشجّع فريقك ضد الخصم ، ان الأمر لا يقع في ملعب معزول بل داخل ثقافتك اليومية، و في حديثك، و في نكاتك، و في شتائمك أحيانًا، بل في تصنيفاتك السريعة للناس. عزيزي، اسأل نفسك بصدق: ماذا يضرك إن شجّع المصري السنغالي؟ ماذا ينقص الجزائري أن يفرح لانتصار المغربي؟ ماذا يفقد المغربي إن صفق لمصر أو لتونس؟ لا شيء عمليًا، لكن وعيك المخدر و المبرمج يصرّ على أن الهوية لعبة صفرية: إمّا أنت أو أنا، إمّا رايتك أو رايتي. هنا بالضبط تتحول كرة القدم من رياضة صادقة النية، و من الاحتفالية الأكثر بهجة في الكوكب إلى مصنع لرموز الانكفاء الهوياتي، وتتحول الجماهير من حشود عاشقة للمجنونة المستديرة إلى جماعات حارسة للترهات و الأوهام..
لاحظ يا حضرة المحترم أن هذا الهوس لا يقف عند التشجيع، بل يمتد إلى لغة الإعلام، وإلى المقاهي، وإلى مواقع التواصل، حيث تُختزل الشعوب في تسعين دقيقة، وتُختصر العلاقات التاريخية المعقدة في هدف أو ركلة جزاء. لعل الأمر يشبه أن تكرّر، دون أن تشعر، ما قيل يومًا على لسان أحد المفكرين المعاصرين: # حين نخندق الإنسان في هوية واحدة، فإننا نجعله مستعدًا للقتل أو للموت من أجلها..# من المؤكد أنك تعرف أمثلة كثيرة داعمة لهذه الفكرة؛ مباراة واحدة قادرة على إشعال خطابات الكراهية، تعليق ساخر قادر على فتح جرح قديم، خسارة رياضية تتحول فجأة إلى إهانة وطنية. هل ترى كيف تصبح هنا الرياضة ذريعة لتفريغ الإحباطات السياسية والاجتماعية؟ لماذا ننقل الهزيمة الاقتصادية أو التعليمية إلى ملعب كرة القدم، فيُحمّل اللاعب ما لا يحتمل، ويُطلب منه أن يعوّض تاريخًا كاملًا من الاختلالات؟
حان الوقت إذن لتسأل نفسك: لماذا نمجد اللاعب أكثر مما نحتفي بالمفكر؟ لماذا نحفظ عن ظهر قلب أسماء هدافي البطولات ولا نعرف أسماء من غيّروا بافكارهم مجرى التاريخ؟ لماذا تصرف الشركات الكبرى الملايير على التسويق الرياضي بينما يُترك الباحث معزولا وحيدًا في المختبر ؟ لست أريد الاجابة عن هذه الأسئلة، هذه ليست مهمتي، ساطرح السؤال تلو السؤال و امضي لحال سبيلي عساي ان اشعل في ذهنك شرارة التفكير في مخاطر أفيون الشعوب و مخدر الأرواح في كل قارة و دولة و شبر من الأرض. لا أحتاج للتفلسف، لكن يبدو لي أن كرة القدم تحولت في الأزمنة المعاصرة إلى مركز للمعنى و بديل عن المواطنة، بل إلى مسكن جماعي يخفف الألم و يمنح انتشاء لحظيا و احساسا زائفا و مؤقتا بالسعادة..
هذا إذن هو المشكل الحقيقي : لقد أصبحنا نعيش في عالم تسكنه الهويات الكروية القاتلة..



