أخبارالرئيسيةفي الصميم

تقدير المتعة بين السلطة التقديرية للقاضي ومبدأ التناسب: تعليق على حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بطنجة

✍️ذ. زهير أصدور – محام بهيئة الرباط.

أعاد حكم ابتدائي صادر عن قسم قضاء الأسرة بـــطنجة فتح النقاش حول معايير تقدير المتعة وحدود السلطة التقديرية لقاضي الأسرة في هذا المجال، وذلك بعد أن قضى بالإذن للزوج المدعي بإيداع مستحقات الزوجة بصندوق المحكمة في مبلغ إجمالي قدره 120000 درهم، من بينها 117000 درهم كواجب متعة، مع تحديد أجل ثلاثين يوماً لإيداع هذا المبلغ تحت طائلة اعتبار الزوج متراجعاً عن طلب التطليق في حالة عدم الأداء.

ويكتسي هذا الحكم أهمية خاصة ليس فقط بسبب قيمة المتعة المحددة، وإنما أيضاً بسبب ما يثيره من إشكالات قانونية وفقهية تتصل بمبدأ التناسب بين المستحقات المحكوم بها والوضعية المالية الفعلية للزوج.

ذلك أن الزوج المعني بالأمر، بحسب المعطيات المتداولة في الملف، لا يتجاوز دخله الشهري خمسة آلاف درهم، وهو دخل يندرج ضمن فئة الأجور المحدودة في السياق الاجتماعي المغربي. ومن ثم فإن الحكم بمتعة قدرها 117000 درهم يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى مراعاة الضوابط التي وضعها المشرع لتقدير مستحقات التطليق في إطار مدونة الأسرة المغربية، وعلى رأسها معيار الوضعية المالية للزوج.

فالمادة 84 من مدونة الأسرة المغربية تنص بوضوح على أن المحكمة تراعي في تقدير المتعة مجموعة من العناصر الموضوعية، من بينها مدة الزواج والوضعية المالية للزوج وأسباب التطليق ومدى تعسفه في إيقاعه. وهذه المعايير لم ترد في النص على سبيل التزيين التشريعي، وإنما وضعت لضبط السلطة التقديرية للقاضي وتوجيهها نحو تحقيق التوازن بين أطراف العلاقة الزوجية.

فالسلطة التقديرية، مهما اتسعت، لا يمكن أن تتحول إلى سلطة مطلقة منفصلة عن الضوابط القانونية والاقتصادية التي تحكم الواقع الاجتماعي.

إن تقدير المتعة في مبلغ يعادل تقريباً ما يفوق سنتين من الدخل الإجمالي للزوج يثير إشكالية حقيقية تتعلق بمبدأ التناسب. فالمتعة، في فلسفة التشريع الأسري، لم تقرر باعتبارها عقوبة مالية على الزوج، وإنما باعتبارها وسيلة لجبر الضرر المعنوي الذي قد يلحق الزوجة نتيجة إنهاء العلاقة الزوجية. غير أن هذا الجبر ينبغي أن يتم في حدود المعقول، بحيث يظل الالتزام المالي متناسباً مع القدرة الواقعية للزوج على الأداء.وإذا كان القضاء الأسري مطالباً بحماية الزوجة من تعسف التطليق، فإن هذه الحماية ينبغي ألا تتحول إلى مصدر لاختلال اقتصادي جديد قد يثقل كاهل الزوج بما يفوق طاقته.

فالأصل أن الأحكام القضائية ينبغي أن تكون قابلة للتنفيذ في الواقع العملي، لأن العدالة التي لا يمكن تنفيذها تظل عدالة منقوصة الأثر.وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً بالنظر إلى الطبيعة المسطرية للحكم الصادر عن قسم قضاء الأسرة بطنجة، إذ يتعلق الأمر بحكم تمهيدي يقضي بإيداع مستحقات الزوجة قبل البت النهائي في طلب التطليق.

وبموجب القواعد المسطرية المعمول بها، فإن هذا النوع من الأحكام لا يكون قابلاً للطعن بالاستئناف إلا مع الحكم القطعي الفاصل في النزاع، وهو ما يضع الزوج أمام معادلة صعبة: فإما أن يؤدي المبلغ المحدد داخل أجل ثلاثين يوماً، رغم ما قد يشكله ذلك من عبء مالي كبير، وإما أن يمتنع عن الأداء فيعتبر متراجعاً عن طلب التطليق، بما يعنيه ذلك من استمرار العلاقة الزوجية رغم تعذر استمرارها واقعياً.

وفي الحالة التي أثارها الحكم موضوع هذا التعليق، تشير المعطيات المتداولة إلى أن الزوج يعيش وضعية اجتماعية معقدة، إذ يجد نفسه مطالباً بأداء مبلغ مرتفع في وقت لم يعد فيه قادراً على الاستمرار في الحياة الزوجية، بل إن الخلاف بين الطرفين بلغ حداً أدى إلى مغادرته بيت الزوجية الذي ما يزال يؤدي أقساط قرضه من راتبه المحدود. وهذه المعطيات، وإن كانت لا تؤثر في المبدأ القانوني لحق الزوجة في مستحقاتها، فإنها تظل عناصر واقعية لا يمكن إغفالها عند تقدير المتعة، لأنها ترتبط مباشرة بقدرة الزوج على الوفاء بالالتزام المالي المفروض عليه.غير أن الإشكال لا يقف عند حدود معيار القدرة المالية للزوج فقط، بل يمتد أيضاً إلى مسألة مسؤولية الطرفين عن انهيار العلاقة الزوجية.

فحسب المعطيات المتوفرة في الملف، فإن وثائق ومستندات مدرجة ضمن عناصر الدعوى تفيد بأن الزوجة هي المتسببة في انفصام العلاقة الزوجية، وأن سلوكها كان العامل الحاسم في وصول العلاقة إلى طريق مسدود. ومع ذلك، يبدو أن هذه الوثائق لم تحظ بالعناية الكافية عند تقدير مستحقات التطليق، وكأنها لم تكن جزءاً من عناصر الملف المعروض على المحكمة.

وهنا تبرز مسألة قانونية دقيقة تتعلق بمدى احترام القواعد التي وضعها المشرع لتقدير مستحقات التطليق. فالمادة 84 من مدونة الأسرة المغربية لا تكتفي بالإشارة إلى الوضعية المالية للزوج ومدة الزواج فحسب، بل تؤكد أيضاً على ضرورة مراعاة أسباب إنهاء العلاقة الزوجية ومدى مسؤولية كل طرف عنها.

وهذه القاعدة تعكس إرادة تشريعية واضحة تهدف إلى تحقيق العدالة بين الطرفين، بحيث لا يتحمل أحدهما عبئاً مالياً كبيراً رغم كونه غير مسؤول عن تفكك العلاقة الزوجية.

إن إغفال عنصر المسؤولية في انهيار العلاقة الزوجية، رغم وجود وثائق في الملف تشير إلى دور أحد الطرفين في ذلك، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى اكتمال عملية التقدير القضائي لمستحقات التطليق. فالتقدير السليم يفترض دراسة جميع عناصر الملف دون استثناء، لأن العدالة القضائية لا تتحقق إلا من خلال قراءة شاملة ومتوازنة لكل المعطيات الواقعية والقانونية المعروضة على المحكمة.

ومن المفيد في هذا السياق العودة إلى الأساس الفقهي الذي استند إليه المشرع المغربي عند تنظيم مستحقات التطليق. فالفقه الإسلامي يجعل تقدير المتعة مرتبطاً بقدرة الزوج المالية، استناداً إلى القاعدة القرآنية التي تقرر أن المتعة تكون “على الموسع قدره وعلى المقتر قدره”.

وهذه القاعدة تؤكد بوضوح أن معيار اليسر أو العسر المالي للزوج يشكل عنصراً حاسماً في تحديد مقدار المتعة، حتى لا تتحول إلى التزام يفوق طاقة المكلف بها.

إن استحضار هذا البعد الفقهي يبرز أن فلسفة المتعة تقوم على الاعتدال والتناسب، لا على المغالاة في التقدير. ولذلك فإن الاجتهاد القضائي مدعو إلى استحضار هذا المبدأ عند تطبيق مقتضيات مدونة الأسرة المغربية، حتى يتحقق التوازن الذي سعى إليه المشرع بين حماية الزوجة وضمان عدم إرهاق الزوج بالتزامات مالية غير متناسبة مع قدرته الاقتصادية.

ولا يعني هذا الطرح التقليل من أهمية حماية الزوجة بعد التطليق، بل على العكس من ذلك، فإن هذه الحماية تظل من الركائز الأساسية التي قامت عليها مدونة الأسرة. غير أن العدالة الأسرية الحقيقية لا تتحقق بإغفال الوضعية الاقتصادية لأحد الطرفين، وإنما بإقامة توازن دقيق بين حقوق الزوجة وقدرة الزوج، بما يضمن كرامة الطرفين ويجنب خلق وضعيات قد يصعب تنفيذ الأحكام الصادرة بشأنها.

ومن ثم فإن الحكم الصادر عن قسم قضاء الأسرة بطنجة، وإن كان يندرج ضمن السلطة التقديرية للقضاء، فإنه يفتح الباب أمام نقاش فقهي وقانوني مشروع حول حدود هذه السلطة ومعايير ممارستها. كما يثير تساؤلات أوسع حول كيفية تطوير الاجتهاد القضائي في مجال تقدير المتعة، بما يحقق الغاية الاجتماعية للتشريع الأسري دون الإخلال بمبدأ التناسب والواقعية الاقتصادية.

إن تطوير هذا الاجتهاد يظل ضرورة ملحة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع المغربي، لأن تحقيق العدالة في قضايا الأسرة لا يقتصر على إصدار الأحكام، بل يمتد إلى ضمان توازنها وقابليتها للتنفيذ بما يحقق الإنصاف الذي أراده المشرع عند سن مدونة الأسرة المغربية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button