من قرر أننا نعيش اليوم سنة 2026؟

بقلم: حسني بشرى
مع حلول فاتح السنة الميلادية 2026، تتجدد مشاهد الاحتفال في مختلف أنحاء العالم. أضواء، عد تنازلي، تهان متبادلة، وشعور جماعي ببداية زمن جديد. غير أن هذا المشهد الاحتفالي يخفي خلفه سؤالا بسيطا في صياغته، عميقا في دلالته: هل نعرف فعلا أصل هذا التاريخ الذي نحتفل به؟ وهل يمثل فاتح يناير بداية “طبيعية” للزمن، أم أنه نتيجة مسار تاريخي وثقافي طويل؟
يميل الناس عادة إلى التعامل مع الزمن وكأنه حقيقة طبيعية ثابتة، بينما تظهر دراسات علم الاجتماع والتاريخ أن الزمن الذي نعيشه هو زمن اجتماعي منظم، تحدده التقاويم، والأعياد، والبدايات والنهايات التي تضعها المجتمعات لنفسها. فالتقويم الميلادي، أو التقويم الغريغوري (Gregorian Calendar)، ليس مجرد أداة تقنية لتنظيم الأيام والسنوات، بل هو بناء اجتماعي للزمن تشكل في سياق حضاري معين، ثم جرى تعميمه تاريخيا حتى أصبح مرجعا عالميا.
من بين أكثر المسلمات شيوعا الاعتقاد بأن ميلاد المسيح حدث في 25 ديسمبر، غير أن العودة إلى النصوص المؤسسة للمسيحية والدراسات التاريخية الحديثة تكشف غياب أي تاريخ دقيق لميلاد يسوع الناصري(Jesus of Nazareth) فـالأناجيل القانونية (Canonical Gospels) لا تحدد يوما ولا شهرا بعينه، وتركز أساسا على البعد اللاهوتي لرسالته. ويشير عدد من الباحثين، مثل (Raymond E. Brown) (Géza Vermes)، إلى أن روايات الميلاد صيغت لأغراض دينية رمزية أكثر من كونها توثيقا زمنيا دقيقا، بل إن بعض تفاصيلها، مثل وجود الرعاة في الحقول ليلا، لا تنسجم مع ظروف الشتاء في فلسطين.
يثير هذا الغياب التاريخي سؤالا مشروعا: لماذا إذن تم تثبيت 25 ديسمبر كتاريخ رسمي لميلاد المسيح؟ الجواب يرتبط بالسياق الروماني القديم، حيث كان هذا التاريخ يتزامن مع احتفالات وثنية مرتبطة بـالانقلاب الشتوي (Winter Solstice)، وأبرزها عيد الشمس التي لا تقهر (Sol Invictus)، الذي كان يرمز إلى عودة النور بعد أطول ليلة في السنة. وعندما أصبحت المسيحية ديانة رسمية داخل الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، لم تلغ الكنيسة هذه الطقوس الشعبية، بل أعادت تأويلها وربطت ميلاد المسيح، بوصفه “نور العالم”، بموعد عودة الشمس، فيما يشبه الاستيعاب الرمزي للتقاليد الوثنية بدل الدخول في صدام معها.
ولا يقتصر الأمر على تاريخ 25 ديسمبر، ففاتح يناير نفسه، الذي يعد اليوم بداية السنة الميلادية، لا يستند إلى مرجعية مسيحية، بل إلى الإرث الروماني. فقد سمي شهر يناير نسبة إلى الإله الروماني يانوس (Janus)، إله الأبواب والتحولات والبدايات، الذي كان يصور بوجهين ينظر أحدهما إلى الماضي والآخر إلى المستقبل. ولهذا اعتبر يناير شهر العبور من زمن إلى آخر، وبداية مناسبة للسنة المدنية في روما القديمة.
عندما أصبحت المسيحية ديانة رسمية، وجدت نفسها أمام جهاز إداري روماني متكامل يعتمد هذا التقسيم الزمني في الجباية، والقضاء، وتنظيم شؤون الدولة. تغيير بداية السنة كان سيؤدي إلى اضطراب إداري واسع، لذلك فضل الحفاظ على التقويم الروماني بدافع الاستمرارية الإدارية، لا لأسباب دينية. وهنا يتضح أن التقويم ليس مجرد مسألة إيمان أو رمزية، بل هو أيضا أداة للحكم وتنظيم المجتمع.
ومع كل سنة جديدة، يطرح سؤال آخر نفسه: من قرر أننا نعيش اليوم سنة 2026؟ نظام التأريخ المعتمد على ميلاد المسيح، المعروف بـسنة الميلاد (Anno Domini – AD)، لم يظهر إلا في القرن السادس الميلادي على يد راهب يدعى ديونيسيوس الصغير (Dionysius Exiguus)، أثناء محاولته حساب تاريخ عيد الفصح. ولم يكن هدفه إعادة بناء التاريخ الإنساني بدقة، بل استبدال أنظمة تأريخ كانت ترتبط بأسماء الأباطرة الوثنيين.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن حساباته شابها خطأ زمني بعدة سنوات، ما يعني أن سنة “1 ميلادية” نفسها ليست دقيقة تاريخيا، ورغم ذلك انتشر هذا النظام تدريجيا داخل أوروبا، ثم أصبح المرجع السائد.
تحول هذا التقويم من نظام أوروبي محلي إلى معيار عالمي لم يكن نتيجة دقته أو حياده، بل ارتبط بـالتوسع الاستعماري الأوروبي منذ القرن الخامس عشر.
فقد فرض التقويم الغريغوري في الإدارات، والمدارس، والمعاملات التجارية في المستعمرات، إلى أن أصبح مرجعا دوليا لتنظيم الزمن. وبهذا، تحول الزمن نفسه إلى شكل من أشكال الهيمنة الرمزية، حيث أُقصيت التقاويم المحلية الأخرى، سواء كانت قمرية أو زراعية أو دينية، إلى الهامش.
ولم يقتصر أثر هذا التقويم على تنظيم الزمن فحسب، بل امتد إلى تشكيل المخيال الجماعي، خاصة فيما يتعلق بالرموز الدينية. فالصورة الشائعة للمسيح بملامح أوروبية لا تنفصل عن هذا السياق الثقافي الذي رافق تعميم التقويم والرؤية الأوروبية للعالم، وتشير دراسات أنثروبولوجية حديثة إلى أن هذه الصورة بعيدة عن الخصائص الفيزيائية المرجحة لسكان الجليل في القرن الأول الميلادي.
وأمام كل هذه المعطيات، لا يدعو هذا المقال، بمناسبة فاتح السنة الميلادية 2026، إلى التشكيك في معاني الفرح أو إلى إلغاء الاحتفال، بل إلى إضفاء وعي تاريخي على هذه اللحظة.
ففاتح يناير ليس بداية “طبيعية” للزمن، بل بداية اصطلاحية صاغتها قرارات دينية وإدارية وسياسية عبر قرون. ومعرفة أصل هذا التاريخ لا تفسد الاحتفال، بل تغنيه، لأنها تذكرنا بأن الزمن الذي نعيشه هو نتاج تاريخ بشري معقد، وأن وراء كل تاريخ نحتفل به قصة تستحق أن تروى.



