Hot eventsأخبارأخبار سريعةقضاء وقانون

اكتظاظ السجون بالمغرب




لم يعد ملف اكتظاظ السجون في المغرب مجرد رقم يتداول في التقارير الرسمية أو سؤال عابر داخل البرلمان بل تحول إلى عنوان بارز لاختلالات بنيوية تمس منظومة العدالة برمتها وتكشف عن تداخل معقد بين استقلال القضاء، واختيارات السياسة الجنائية وحدود المسؤولية الحكومية. هذا التعقيد انفجر مجددا تحت قبة البرلمان خلال جلسة الأسئلة الشفوية في مواجهة كلامية حادة بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي والمعارضة الاتحادية.

سجال تحت القبة… وأزمة خارجها

داخل مجلس النواب حاولت المعارضة وضع الحكومة أمام مسؤولياتها السياسية في تفاقم الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية في وقت تشير فيه تقارير حقوقية إلى أوضاع صعبة يعيشها السجناء من حيث ظروف الإيواء والرعاية الصحية وإمكانيات إعادة الإدماج. غير أن وزير العدل اختار مقاربة مغايرة نافيا بشكل واضح أي اختصاص مباشر لوزارته في تدبير السجون.

وأوضح وهبي أن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج هي الجهة المشرفة على تدبير المؤسسات السجنية وتخضع لوصاية رئاسة الحكومة بينما تعود قرارات الاعتقال والمتابعة إلى القضاء والنيابة العامة باعتبارهما سلطتين مستقلتين دستوريا لا يمكن للسلطة التنفيذية التدخل في عملهما.

هذا التوضيح الذي اعتبره الوزير تحصينا لمبدأ فصل السلط رأت فيه المعارضة تنصلا سياسيا من المسؤولية خصوصا أن السياسة الجنائية بحسب خبراء قانونيين هي نتاج تفاعل بين التشريع والتوجيه الحكومي والممارسة القضائية.

الاعتقال الاحتياطي… قلب الإشكال

يتفق فاعلون حقوقيون على أن الاعتقال الاحتياطي يشكل أحد الأسباب الرئيسية للاكتظاظ حيث ما تزال نسبة مهمة من نزلاء السجون في وضعية اعتقال مؤقت في انتظار الحسم في ملفاتهم. ورغم إدخال تعديلات على قانون المسطرة الجنائية تهدف إلى ترشيد اللجوء إلى هذا الإجراء إلا أن تفعيلها كما اعترف وزير العدل نفسه ما يزال متوسطا.

ويرى مختصون أن هذا التردد القضائي في اعتماد بدائل الاعتقال يعكس مخاوف مرتبطة بالمسؤولية القانونية وضغط الرأي العام إضافة إلى غياب منظومة فعالة لمواكبة المتابعين في حالة سراح وهو ما يعيد طرح سؤال السياسة العمومية في مجال العدالة الجنائية وليس فقط استقلال القاضي الفردي.

تضامن حكومي أم استقلال مؤسساتي؟

نقطة الخلاف الأساسية داخل البرلمان لم تكن تقنية فقط،بل سياسية بامتياز. فالفريق الاتحادي شدد على أن الحكومة كجهاز تنفيذي موحد مطالبة بالجواب عن الإشكالات المطروحة أمام البرلمان بغض النظر عن التوزيع الداخلي للاختصاصات.

في المقابل تمسك وهبي بخط فاصل بين المساءلة السياسية والمحاسبة القضائية معتبرا أن تحميل وزير العدل مسؤولية قرارات قضائية قد يفتح الباب أمام المساس باستقلال السلطة القضائية وهو أحد أعمدة الدستور.

الشواهد الطبية… خلل صامت داخل العدالة

بعيدا عن الاكتظاظ،فجر وزير العدل ملفا آخر لا يقل حساسية يتعلق بانتشار الشواهد الطبية غير الدقيقة أو المبالغ فيها والتي قد تتحول في بعض الحالات إلى عنصر حاسم في اعتقال أشخاص أو تشديد متابعاتهم.

اعتراف وهبي بعجز الوزارة عن ضبط هذا المجال كشف عن فراغ تنظيمي ورقابي،خاصة وأن الشهادة الطبية تظل خاضعة لتقدير الطبيب دون معايير وطنية موحدة أو آلية فعالة للمراقبة. كما أن ضعف التحفيزات المخصصة للأطباء الشرعيين حيث لا يتجاوز التعويض عن التشريح 100 درهم يطرح علامات استفهام حول جدية الدولة في الاستثمار في هذا القطاع الحساس.

بين الانتقادات الدولية والواقع المحلي

تواجه المملكة وفق تصريحات الوزير نفسه،انتقادات دولية بخصوص تدبير بعض ملفات العدالة الجنائية،خاصة تلك المرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة وظروف الاعتقال. غير أن معالجة هذه الانتقادات كما يرى متابعون تتطلب مقاربة شمولية تتجاوز تبادل الاتهامات بين المؤسسات نحو إصلاح عميق للسياسة الجنائية وتوفير الإمكانيات البشرية والمالية وتوحيد الرؤية بين مختلف المتدخلين.

أزمة مسؤولية أم أزمة منظومة؟

يطرح الجدل البرلماني الأخير سؤالا جوهريا: هل يتعلق الأمر بأزمة مسؤوليات متداخلة أم بأزمة منظومة عدالة تحتاج إلى مراجعة شاملة؟
في ظل استمرار الاكتظاظ وتعدد المتدخلين يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة تبحث منذ سنوات عن توازن صعب بين الأمن والعدالة والحقوق.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button