بين منسوب الماء وحرارة السياسة… مغرب يتحرك بهدوء

مع بداية اليوم تكشف قراءة الصحف الإلكترونية عن مشهد غير عادي: بلدٌ يتحرك على أكثر من إيقاع، من سدودٍ امتلأت بعد سنوات الجفاف، إلى مدرجاتٍ اهتزت بهدفٍ واحد حمل فرحة أمة، مرورًا بمصانع تُبنى، وأسلاك كهرباء تشهد على طلبٍ يتصاعد، فيما السماء تختبر البنية التحتية، والدبلوماسية تحافظ على نبرتها الثابتة.
تحسن الموارد المائية لم يعد مجرد رقمٍ في نشرة، بل رسالة سياسية واقتصادية بامتياز. حين ترتفع نسبة ملء السدود إلى 39.2 في المائة، بعد سنوات من شحٍّ أرهق الفلاح والمدينة معًا، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالأمطار، بل بمنسوب الثقة في تدبير ملف ظل لعقود عنوانًا للقلق الاستراتيجي. الماء هنا ليس نعمة طبيعية فقط، بل اختبارٌ لقدرة الدولة على تحويل الظرفية إلى أفق.
وفي موازاة ذلك، تأتي كرة القدم لتلعب دورها المعتاد: توحيد المزاج العام. تأهل “أسود الأطلس” إلى ربع نهائي كأس إفريقيا للأمم بهدفٍ وحيد، قد يبدو رياضيًا صرفًا، لكنه في العمق يعكس حاجة المجتمع إلى لحظة إجماع، إلى فرحة بسيطة في زمن معقد. الرياضة هنا ليست هروبًا من الواقع، بل استراحة نفسية في مسار طويل.
أما الطاقة، فهي لغة المستقبل التي تفرض نفسها بهدوء الأرقام. نمو الطلب على الكهرباء، واستمرار ارتفاع الإنتاج، يؤكدان أن المغرب يسير بثبات نحو اقتصاد أكثر استهلاكًا، وبالتالي أكثر تصنيعًا. الكهرباء لم تعد مجرد خدمة، بل مؤشر على تحولات صناعية واستراتيجية قادمة، حيث كل جيغاواط ساعة يحمل في طياته مصنعًا، أو استثمارًا، أو فرصة عمل.
وحين تتقلب السماء، كما حدث بسواحل أكادير، يظهر وجه آخر للتدبير: يقظة حضرية تحاول أن تسبق المفاجأة. لا عاصفة “أسطورية”، ولا تهوين من الظواهر الطبيعية، بل مقاربة عملية تُدرك أن المناخ لم يعد شأنًا بيئيًا فقط، بل ملفًا حضريًا وأمنيًا واجتماعيًا.
في الخلفية، تواصل الدبلوماسية المغربية خطابها الهادئ، الثابت في دعم وحدة اليمن، دون ضجيج أو استعراض. موقف تقليدي في شكله، لكنه استراتيجي في توقيته، يؤكد أن السياسة الخارجية للمملكة تُفضل الاستمرارية على الانفعال.
وعندما ننتقل إلى عناوين الصحف الورقية، يتضح أن الداخل بدوره يتحرك: رقمنة مخالفات السير، إصلاح التقاعد بالحوار لا بالفرض، تجديد أسطول سيارات الأجرة، توقعات اقتصادية متفائلة، استثمارات صينية تُراكم الثقة في المغرب كمنصة صناعية، وتحسن اجتماعي يمس الأطفال بالعالم القروي، وصولًا إلى اعتراف دولي بدور المملكة في التعليم، ومبادرات إنسانية داخل السجون.
الصورة العامة لا توحي بالكمال، لكنها تؤكد شيئًا واحدًا: المغرب لا يقف. يتحرك أحيانًا ببطء، وأحيانًا بحذر، لكنه يتحرك. وفي زمن عربي وإقليمي مثقل بالارتباك، قد يكون هذا “التحرك الهادئ” هو أكثر ما يستحق الانتباه في هذا الصباح.



