جدل تحكيمي أم اختلاف في التقدير؟ قراءة قانونية في قرارات حكم مباراة المغرب وتنزانيا

أعاد الجدل التحكيمي الذي رافق مباراة المنتخب المغربي ونظيره التنزاني إلى الواجهة نقاشا متجددا يفرض نفسه في كل بطولة كبرى،أين ينتهي الخطأ التحكيمي الواضح وأين تبدأ المنطقة الرمادية التي يترك فيها القانون هامشا واسعا لتقدير الحكم؟
فمع صافرة النهاية،تحول تركيز جزء كبير من الجماهير والمتابعين إلى عدد من اللقطات المفصلية أبرزها لقطة ماسينا داخل منطقة الجزاء والتدخل القوي على الزلزولي ثم احتكاك الكعبي مع الحارس وهي لقطات تستوجب قراءة هادئة بعيدة عن الانفعال والعاطفة.
لقطة ماسينا: احتكاك مشروع أم ضربة جزاء؟
في اللقطة التي طالب على إثرها بعض الجمهور باحتساب ضربة جزاء لصالح المنتخب المغربي، تظهر الإعادات أن الاحتكاك بين ماسينا والمدافع التنزاني كان خفيفا وطبيعيا دون وجود دفع واضح أو مد للساق أو استخدام غير مشروع للذراع.
الأهم في التقييم التحكيمي أن اللاعب التنزاني فقد توازنه قبل اكتمال الالتحام وبدأ السقوط مباشرة بعد الإحساس بالاحتكاك وهو عنصر أساسي يعتمد عليه الحكام في تقدير نية المخالفة وحدتها .
كما أن الكرة لم تكن تحت سيطرة كاملة للمهاجم، ولم يكن في وضعية تسجيل محققة ما يسقط عنصر الفرصة الواضحة للتسجيل الذي يعد من المعايير الحاسمة في مثل هذه الحالات.

لهذه الأسباب، اعتبرت اللقطة تقديرية واحترم حكم الفيديو المساعد (VAR) قرار الحكم بمواصلة اللعب باعتبار أن تدخل الـVAR يظل محصورا في الحالات التي تشهد خطأ واضحا وفاضحا وهو ما لم يتوفر في هذه اللقطة.
ومع ذلك فإن هذه الحالة تبقى من اللقطات القابلة للنقاش، إذ لو احتسب الحكم ضربة جزاء من أرضية الملعب لما كان الـVAR ليتدخل لإلغائها، لأن المشهد لا يحمل وضوحا مطلقا. وهنا تحديدا يكمن جوهر الجدل.
التدخل على الزلزولي: تهور واضح؟
على عكس لقطة ماسينا، بدت لقطة التدخل على الزلزولي أكثر وضوحا من حيث الخطورة. فالمدافع التنزاني استخدم قدمين في الإعاقة وهو سلوك يصنفه قانون اللعبة ضمن اللعب المتهور وقد يرقى في بعض التقديرات إلى بطاقة حمراء مباشرة إذا اعتبر تهديدا لسلامة اللاعب المنافس.

تجاهل هذه اللقطة دون إنذار أو تدخل من الـVAR عزز إحساس جزء من الجماهير بعدم التوازن في القرارات،خاصة عند مقارنتها بأخطاء أقل حدة تم احتسابها خلال المباراة وهو ما غذى الإحساس بوجود تباين في المعايير.
احتكاك الكعبي مع الحارس: تقدير لا خطأ جسيم
أما لقطة الكعبي مع حارس مرمى تنزانيا،فهي الأخرى تحتاج إلى قراءة دقيقة. الحارس خرج من مرماه وتخلى عن الكرة قبل أن يصطدم بالكعبي مستخدما المرفق.
تحكيميا كان بالإمكان إشهار بطاقة صفراء بسبب التهور،غير أن الحكم فضل استمرار اللعب مبررا قراره بعدم وجود فرصة سانحة للتسجيل وهو ما يضع القرار مجددا في خانة التقدير وليس الخطأ الجسيم.

جدل التقدير لا الظلم الصارخ
الخلاصة أن الجدل التحكيمي الذي رافق المباراة لم ينبع من ظلم تحكيمي واضح بقدر ما كان نتيجة تراكم لقطات تقديرية،بعضها حسم بسرعة وبعضها استدعى قراءة أعمق من زاوية القانون وروحه.
ووفق نص وروح قانون اللعبة،فإن قرار عدم احتساب ضربة جزاء في لقطة ماسينا يعد صحيحا وقابلا للدفاع عنه تحكيميا، حتى وإن ظل غير مقنع عاطفيا لفئة من الجماهير.
في النهاية يتضح أن الجدل الذي رافق مباراة المغرب وتنزانيا لم يكن وليد قرار تحكيمي واحد بقدر ما كان نتيجة تراكم لقطات تقديرية متقاربة اختلفت حولها القراءات بين القانون والانفعال الجماهيري. فبعض الحالات احترم فيها الحكم نص وروح القانون،بينما ظلت أخرى محل نقاش مشروع بسبب درجة الخطورة أو السياق العام للمباراة. وفي زمن كرة القدم الحديثة،خصوصا مع حضور تقنية الـVAR،لم يلغ الجدل التحكيمي بل أعيد تعريفه ليصبح في كثير من الأحيان نقاشا حول هامش التقدير وحدود التدخل التقني أكثر منه خلافا حول خطأ واضح أو قرار فاضح.



