فنزويلا.. حين يتقدّم الواقع على النصوص القانونية

بقلم/ الاستاذة سليمة فراجي
هذا التحليل البسيط لا يبرّر المساس بالسيادة، بل يسلّط الضوء على التناقض بين الخطاب القانوني والواقع السياسي
ما درسناه وتم تلقينه لنا في مجال القانون الدولي أن المنتظم الدولي يقوم، نظريًا، على احترام الاتفاقيات والمعاهدات، المستوحاة من قيم إنسانية سامية تهدف إلى صون كرامة الإنسان وتحقيق السلم العادل بين الدول. وقد جاءت القواعد القانونية لترجمة هذه القيم إلى التزامات ملزمة، تُفرض على الدول عبر التشريعات والسياسات والإجراءات والاتفاقيات والبروتوكولات بل وحتى المحاكم الدولية والأجهزة الاممية
غير أن هذا التصوّر المثالي الحالم يصطدم، في كثير من الأحيان، بواقع دولي مغاير، حيث تبدو النصوص القانونية عاجزة أمام منطق القوة والمصلحة.
و لا يمكن فهم ما يجري في فنزويلا خارج إطار الجيوبوليتيك وموازين القوى الدولية. فدولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، إلى جانب موارد استراتيجية من الغاز والمعادن والليثيوم، وتقع في المجال الحيوي القريب من مركز الرأسمالية العالمية، لا يُتعامل معها كفاعل سيادي مستقل، بل كمجال نفوذ استراتيجي
ومن الخطأ اختزال القرار الأمريكي في شخص الرئيس. فالقرارات الكبرى تُصنع داخل منظومة معقّدة تضم المؤسسة العسكرية، والمصالح الاقتصادية والمالية، والنخب السياسية والإعلامية. وفي هذا السياق، تُقاس السيادة بمدى انسجامها مع هذه المنظومة، لا بما تقرره النصوص القانونية.
كثيرون يستحضرون القانون الدولي، بما فيه القانون الدولي الإنساني، باعتباره مرجعية أخلاقية وقانونية. ورغم أهمية هذه القواعد، فإنها في النزاعات الكبرى تُطبَّق بانتقائية واضحة: تُفعَّل حين تخدم ميزان القوة، وتُهمَل حين تعارضه، لتتحوّل أحيانًا إلى مجرد شعارات.
كما أن التعويل على تدخل قوى دولية منافسة بدافع القيم أو التضامن، بعيدًا عن حسابات المصالح، يظل رهانًا مثاليًا. فالتحالفات في النظام الدولي ليست أخلاقية بقدر ما هي حسابية.
تُذكّرنا حالة فنزويلا بحقيقة أساسية في العلاقات الدولية: الواقع يتقدّم على النصوص، والقوة تظل المحدد الفعلي لمسار الأحداث، مهما سمت القوانين وتعددت الاتفاقيات.
وكما قال جورج سانتيانا: «من لا يتعلم من أخطاء الماضي محكوم عليه بتكرارها». . ويبقى الفرق شاسعًا بين ما هو كائن، وما ينبغي أن يكون.



