أخبارالرئيسيةكلام والسلام

الطعن في الدستور… أم الطعن في المنطق؟

يبدو أن المعارضة هذه الأيام قررت أن تمارس هواية جديدة: الطعن في كل ما يتحرك، حتى لو كان ذلك القانون الذي بالكاد خرج من رحم البرلمان وهو ما يزال يتنفس أول أنفاسه. قانون المجلس الوطني للصحافة، الذي كان يُفترض أن يكون مظلة لحماية المهنة من العبث، وجد نفسه فجأة في قفص الاتهام، متَّهماً بجرمٍ لم يُثبت بعد: “عدم الدستورية”.

الطريف في الأمر أن هذا الطعن لا يبدو قانونياً بقدر ما يبدو أدبياً، أقرب إلى قصيدة هجاء منها إلى مذكرة قانونية. فالمعارضة، التي لم تترك مادة في الدستور إلا واستشهدت بها، تتحدث عن “حرية التعبير” وكأنها اكتشفتها بالأمس، وتلوّح بـ”الفصل بين السلط” كما لو أنه سيفٌ مسلول في معركة شرف. لكن خلف هذا الخطاب المتأنق، يختبئ سؤال بسيط: هل الطعن في القانون هو دفاع عن حرية الصحافة، أم مجرد تمرين سياسي في فن الإزعاج؟.

القانون، في جوهره، لا يخلو من العيوب، ولا أحد ينكر أن بعض بنوده تحتاج إلى مراجعة. لكن تحويل النقاش القانوني إلى معركة وجودية بين “السلطة القامعة” و”المعارضة المنقذة” هو نوع من المسرح السياسي الذي يُتقنه الجميع، ويصفق له الجمهور كل مرة، رغم أنه يعرف النهاية مسبقاً.

المحكمة الدستورية، المسكينة، تجد نفسها الآن في موقف لا تُحسد عليه. فهي مطالبة بأن تفصل في قضية لا تتعلق فقط بالنصوص، بل بالنوايا أيضاً. وعليها أن تزن بين دستورٍ يُستدعى كلما احتاج أحدهم إلى ذريعة، وبين واقعٍ سياسي يزداد عبثاً كل يوم.

الصحافة، التي يُفترض أن تكون محور هذا الجدل، تقف في المنتصف، تراقب المشهد بدهشة. فبين معارضة تتحدث باسمها وسلطة تزعم حمايتها، تضيع الحقيقة كما تضيع المقالات الجيدة في زحمة العناوين الصاخبة.

ربما كان الأجدر بالجميع أن يطعنوا في شيء آخر: في ثقافة التعامل مع القوانين كأدوات للمناورة، لا كعقود اجتماعية تُبنى عليها الثقة. فالدستور، مهما كان جميلاً على الورق، لا يحمي الحرية إذا كان الجميع يتعامل معه كديكور سياسي.

اكتب لي مقال رأي حول الطعن في دستورية قانون المجلس الوطني للصحافة المعروض من طرف المعارضة أمام المحكمة الدستورية,,وأرجو أن يكون مقال الرأي فيه طعم أدبي وتهكمي

وفي النهاية، سواء قبلت المحكمة الطعن أو رفضته، سيبقى السؤال معلقاً في الهواء: من الذي يحتاج إلى الإصلاح فعلاً؟ القانون… أم من يكتبونه ويطعنون فيه في الوقت نفسه؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button