كأس إفريقيا في المغرب..تنظيم بأفق تنموي
منذ اللحظة الأولى لإعلان استضافة المغرب لكأس أمم إفريقيا، كان واضحًا أن المملكة لا تنظر إلى البطولة كحدث رياضي عابر، بل كمشروع وطني شامل يجمع بين الرياضة، الاقتصاد، والسياحة في لوحة واحدة من الإتقان والتنظيم. اليوم، ومع انطلاق المنافسات، يتجلى بوضوح أن المغرب لم يكتفِ بالوفاء بوعوده، بل تجاوز التوقعات، مقدّمًا نموذجًا إفريقيًا في كيفية تحويل حدث رياضي إلى رافعة تنموية حقيقية.
من الناحية التنظيمية، أبهرت البنية التحتية المغربية الجميع. الملاعب التي احتضنت المباريات، من طنجة إلى مراكش، بدت كتحف معمارية تجمع بين الجمال والوظيفة. الطرق، وسائل النقل، والفنادق، كلها عملت بتناغم دقيق يعكس سنوات من التخطيط والاستثمار. حتى التفاصيل الصغيرة، من جودة الإضاءة إلى التنظيم الأمني، أظهرت أن المغرب لم يترك شيئًا للصدفة. لقد أراد أن يثبت أن إفريقيا قادرة على تنظيم بطولات بمعايير عالمية، دون الحاجة إلى وصاية أو دعم خارجي.
لكن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الأهداف أو جودة العشب، بل بما يتركه الحدث من أثر اقتصادي طويل الأمد. وهنا، يبرز ذكاء المغرب في استثمار البطولة كمنصة اقتصادية وسياحية. فالفنادق امتلأت عن آخرها، والمطاعم والأسواق شهدت انتعاشًا غير مسبوق، فيما تحولت المدن المستضيفة إلى فضاءات نابضة بالحياة، تستقبل الزوار من مختلف أنحاء القارة والعالم.
تشير التقديرات الأولية إلى أن العائدات المباشرة من السياحة وحدها تجاوزت التوقعات، مع ارتفاع نسب الإشغال الفندقي وتزايد الطلب على الخدمات المحلية. كما استفادت الشركات المغربية، الصغيرة منها والكبيرة، من عقود التوريد والخدمات اللوجستية، ما خلق آلاف فرص العمل المؤقتة والدائمة. حتى الصناعات الإبداعية، من التصميم إلى الإنتاج الإعلامي، وجدت في البطولة فرصة لتسويق مهاراتها على نطاق قاري واسع.
إضافة إلى ذلك، عززت البطولة صورة المغرب كوجهة آمنة ومستقرة، قادرة على تنظيم أحداث كبرى بكفاءة عالية. هذا البعد الرمزي لا يقل أهمية عن العائدات المالية، لأنه يرسخ الثقة في الاقتصاد الوطني ويجذب مزيدًا من الاستثمارات الأجنبية. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الأرقام، بل عن بيئة قادرة على إدارة النجاح، والمغرب قدم الدليل العملي على ذلك.
في العمق، ما يميز التجربة المغربية هو الرؤية الاستراتيجية التي تربط الرياضة بالتنمية. فكل درهم صُرف على البنية التحتية لم يكن إنفاقًا ظرفيًا، بل استثمارًا طويل الأمد في صورة البلاد واقتصادها. الملاعب ستظل تخدم الأندية المحلية، والمطارات والطرق ستواصل دعم السياحة، والمواهب التنظيمية التي اكتسبت الخبرة ستقود مشاريع مستقبلية أكبر.
كأس أمم إفريقيا في المغرب ليست مجرد بطولة، بل إعلان عن نضج دولة تعرف كيف توظف الرياضة كأداة للتنمية، وكيف تجعل من كل حدث فرصة لتقوية الاقتصاد وتعزيز الحضور الدولي. إنها لحظة فخر إفريقية بامتياز، عنوانها: التنظيم المغربي… حين يصبح النجاح عادة لا صدفة.



