حين تتكلم المدرجات… ويبتسم التاريخ لأسود الأطلس

لم يكن عبور المنتخب الوطني المغربي إلى نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025 مجرد فوز بركلات الترجيح، ولا مجرد انتصار كروي آخر يُضاف إلى السجل، بل كان لحظة كثيفة المعاني، اختلط فيها العرق بالهتاف، والتكتيك بالعاطفة، والتاريخ بالحلم المؤجل منذ أكثر من عقدين.
في المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله، لم يكن هناك جمهور ولا لاعبين فقط، بل مشهد وطني كامل. 69 ألف صوت لم تكتفِ بالتشجيع، بل شاركت في اللعب، ضغطت، صبرت، واحتفلت. وفي زمن أصبحت فيه كرة القدم صناعة باردة في كثير من الأحيان، أعاد هذا نصف النهائي للمدرجات دورها الحقيقي: اللاعب رقم 12، وربما اللاعب الحاسم.
تكتيكياً، لم يكن اللقاء سهلاً ولا جميلاً بالمعنى الكلاسيكي، لكنه كان صادقاً. منتخب نيجيريا حضر بعضلاته وخبرته القارية، والمغرب ردّ بالعقل والانضباط. معركة وسط الميدان، غلق المساحات، تحييد مصادر الخطورة، ثم الرهان على النفس الطويل… كل ذلك عكس نضج منتخب تعلم من إخفاقاته أكثر مما انتشى بإنجازاته.
وليد الركراكي، في هذا الموعد، لم يبحث عن الاستعراض، بل عن العبور. اختار الواقعية، وقبل بأن تمتد المباراة إلى أقصى حدودها النفسية والبدنية. وحين وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، كان المشهد وكأنه مُعدّ سلفاً لبطل يعرف كيف يواجه اللحظات القاسية: ياسين بونو، الحارس الذي لا يرفع صوته كثيراً، لكنه يرفع سقف الطموح كلما ضاقت المساحات.
هذا التأهل أعاد المغرب إلى النهائي بعد 22 سنة من الانتظار، لكنه، الأهم، أعاده بثوب مختلف. منتخب لا يعيش على الذكريات، ولا يختبئ خلف “المشاركة المشرفة”، بل يضع اللقب هدفاً مشروعاً، وحقاً جماعياً، خاصة حين تلعب البطولة على أرضك، وأمام جمهورك، وفي سياق كروي مغربي يعيش واحدة من أكثر فتراته إشراقاً.
النهائي أمام السنغال لن يكون سهلاً، وربما سيكون أصعب من نصف النهائي، لكن ما تغيّر اليوم هو الذهنية. لم يعد السؤال: هل يستطيع المغرب؟ بل: كيف سيلعب المغرب من أجل التتويج؟
في هذه الأمسية الرباطية، لم يبلغ “الأسود” النهائي فقط، بل بعثوا رسالة واضحة: كرة القدم المغربية لم تعد تطرق باب التاريخ بخجل… بل دخلته بثقة، وتبحث الآن عن تتويج يليق بكل هذا الصبر، وكل هذا الشغف.



