المغرب فاز في رسم مستقبل الرياضة الإفريقية
“حين يصبح التنظيم فناً، والوطن بطلاً قبل نهاية البطولة”
قبل أن تُعلن صافرة يوم الأحد 18 يناير 2025 عن المنتخب المتوَّج بكأس إفريقيا، يمكن القول إن المغرب قد فاز بالفعل، ليس بالكأس الرياضية، بل بكأس التنظيم، والاحتراف، فاز بالصورة المشرقة التي قدّمها عن إفريقيا الجديدة. فالبطولة الافريقية لهذا العام، لم تكن مجرد منافسة كروية فقط، بل كانت عرضًا متكاملًا لقدرة بلد إفريقي على تنظيم حدث قاري بمعايير عالمية، وبتوابل مغربية حضارية، وبروح إفريقية أصيلة.
منذ انطلاق البطولة، أظهر المغرب جاهزية استثنائية على جميع المستويات. بدءا بالملاعب التي احتضنت المباريات من طنجة إلى أكادير، مرورًا بالرباط والدار البيضاء فمراكش، ثم فاس، ملاعب كانت في أبهى حُلّة، مجهزة بأحدث التقنيات، ومهيأة لاستقبال عشرات الآلاف من الجماهير في أجواء آمنة ومنظمة. النقل، الإقامة، الخدمات اللوجستية، وحتى التفاصيل الصغيرة المتعلقة بتجربة المشجعين، كلها عكست تخطيطًا دقيقًا ورؤية استراتيجية جعلت من البطولة حدثًا ناجحًا بكل المقاييس.
لكن النجاح المغربي لم يكن تقنيًا فقط، بل كان أيضًا إنسانيًا وثقافيًا. فقد تحولت المدن المغربية إلى فضاءات للاحتفال بالهوية الإفريقية المشتركة، حيث امتزجت الأعلام والأغاني والرقصات في مشهد وحدوي نادر. الجماهير المغربية، المعروفة بشغفها الكروي، لم تكتفِ بتشجيع منتخبها، بل احتضنت المنتخبات الإفريقية الأخرى بروح رياضية عالية، ما جعل البطولة نموذجًا في التعايش والاحترام المتبادل.

وحققت المملكة مكاسب اقتصادية ملموسة. فبحسب تقديرات أولية صادرة عن مؤسسات اقتصادية مغربية، تجاوزت العائدات المباشرة وغير المباشرة للبطولة أكثر من 10 مليارات درهم، بفضل انتعاش السياحة، وارتفاع نسب الإشغال الفندقي، وزيادة الإقبال على المنتجات والخدمات المحلية. كما ساهم الحدث في خلق آلاف فرص العمل المؤقتة، وتنشيط قطاعات النقل، والإعلام، والتسويق الرياضي.
أما على المستوى الدبلوماسي، فقد عززت البطولة مكانة المغرب كقوة إفريقية صاعدة تجمع بين الحداثة والانتماء القاري. فالمملكة لم تنظم البطولة فقط، بل جعلت منها منصة لتأكيد التزامها بالتعاون الإفريقي، من خلال حسن الاستقبال، وتوفير الدعم اللوجستي للمنتخبات، وإبراز صورة إفريقيا القادرة على النجاح دون وصاية.
ولعل أبرز ما يميز هذه النسخة هو الرسالة الرمزية التي بعثها المغرب إلى العالم، مفادها أن إفريقيا ليست قارة الأزمات، بل قارة الفرص. فكل مباراة، وكل مشهد من التنظيم، كان بمثابة إعلان عن قدرة القارة على الإبداع والتميز حين تتوفر الإرادة والرؤية.
اليوم، وقبل أن يُرفع الكأس في سماء المركب الرياضي مولاي عبد الله بالرباط، وأتمنى أن يكون هذا الكأس مغربيا، يمكن القول إن المغرب رفع راية إفريقيا عالياً، وأثبت أن النجاح لا يُقاس فقط بعدد الأهداف، بل بمدى الإلهام الذي يتركه الحدث في النفوس.
فمهما كان اسم المنتخب الفائز يوم الأحد، فإن الفائز الأكبر هو المغرب، الذي كتب صفحة جديدة في تاريخ الرياضة الإفريقية، عنوانها: “حين يصبح التنظيم فناً، والوطن بطلاً قبل المباراة النهائية.”



