أخبارالرئيسيةفي الصميم

إيران ونهاية العقيدة الثورية

بقلم/الكاتب الصحافي عبدالله العبادي

تعيش إيران تحولات عميقة وجدرية، ليست على مستوى القيادة أو مؤسسات الدولة. خارجيا، لا تزال إيران تستعرض قوتها من خلال أجهزتها الأمنية وشبكاتها الإقليمية، لكن داخليا، فقد النظام معنى السيطرة على الفضاء الرمزي الأخلاقي الذي كان يرسخ وجوده وشرعيته.

في الشارع الإيراني، بنى المواطنون نظاماً أخلاقياً بديلاً لمعنى الثورة والتضحية وشعارات الجمهورية، حيث تم التركيز على الكرامة والعدالة والحرية، الأمر الذي رسخ لنظام مجتمعي واقعي يتحدى جوهر العقيدة السياسية للجمهورية. حيث رسخ الإيرانيون لهوة كبيرة بين ما هو مقدس في النظام والمجتمع الحقيقي، وفقدت بذلك السلطات الإيرانية قوة تحديد من يُعتبر شهيدا وما هو المقدس اليوم وما هي الوصفة الأخلاقية الجديدة التي باستطاعتها توحيد الصف الإيراني.

جاء ذلك بعد احتجاجات كثيرة شهدتها إيران في العقدين الأخيرين، من أجل التغيير، ليستمر هذا الشرخ الرمزي بين مفاهيم النظام ومفاهيم المجتمع، حيث تم توجيه البوصلة نحو مفاهيم أخلاقية حديثة شكلت منظور المجتمع الّإيراني الجديد وسترسم الخريطة السياسة لمستقبل البلاد.معروف أن قيادات الثورة الإيرانية في بداية الثمانيات رسخت لمفاهيم خطاب سياسي مزج بين سردية الشهيد الثوري وصناعة الأساطير، ليصبح الشهيد بمفهوم النظام، رمزا مركزيا للدولة.

لكن جيل اليوم لم يشهد الحرب العراقية الإيرانية حيث تم ترسيخ المفهوم واستوعبه الشعب جيدا، ولم يشهدوا بدايات الثورة حيث رسخت القيادة الإيرانية لمفاهيم أصبحت متجاوزة اليوم.

التحولات المجتمعية شكلت منعطفا في تحديد المفاهيم، فأصبحت مصداقية النظام في تراجع مستمر واتسعت الهوة بين القيادة والمواطن. كل هذه التغيرات على مستوى المجتمع الإيراني جعلت الخطاب الأخلاقي للقيادة يبدو أجوفا ومتجاوزا، ولم يعد الإيراني مستعد للتضحية من أجل الثورة كواجب أخلاقي، فكانت بداية تحطيم مفاهيم الثورة من الداخل، وبات واضحا أنها لم تبنى على أسس مفاهيمية وفكرية صلبة منذ البداية.

احتجاجات الشارع الإيراني وبعض الاغتيالات، عرت حقيقة النظام، وبرهنت عن عجزه في السيطرة على التداعيات الرمزية التي شيد لها منذ عقود، حيث أصبحت بعض الأسماء المغتالة شهداء للحرية ورموزا وطنية نضالية غير معترف به من طرف النظام الإيراني.

وهكذا تلاشت فكرة احتكار القداسة من طرف قيادة الثورة، فبدأ الشرخ يكبر يوما بعد يوم بين النظام والشعب.اشتد الصراع على المعنى من خلال احتجاجات وردة فعل القيادة، حيث بدأ المجتمع الإيراني بتطوير منظومة أخلاقية خاصة به بعيدا عن منظومة أخلاق ثورة 79. تمثلت في أشكال احتجاجية وتعبيرات سلوكية جديدة، كقص الشعر خلال احتجاجات حركة المرأة- الحياة- الحرية مثلا.

كما ظلت هذه المفاهيم حاضرة في الواقع اليومي للمواطن حتى في غياب الاحتجاجات. حيث لا زالت مظاهر التغيير ظاهرة للعيان، نساء غير محجبات يظهرن في مدن إيرانية كبرى رغم الرقابة الأمنية وتجديد قوانين الحجاب، كما أن إحياء أعياد الميلاد والتجمعات الصامتة وقراءات شعرية جماعية والحضور على مواقع التواصل الاجتماعي تبقى محورا أساسيا للتعبئة الأخلاقية الجديدة.فالدولة الإيرانية تستعيد بعد كل احتجاج سيطرتها المادية لكنها فقدت سيطرتها الرمزية، فضاعت شعارات الثورة أمام إصرار مستمر للتغيير ذو طابع أخلاقي جديد.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button