Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين الحدث الافريقي

إصلاحات هادئة وإشعاع قاري يصنع الفارق

ليست كثافة المواضيع التي شغلت الصحف الإلكترونية هذا الصباح مجرد تكدّس إخباري عابر، بل هي صورة مكثفة لمرحلة مغربية تتقاطع فيها الاستراتيجية مع اليومي، والاقتصاد مع المدرسة، والرياضة مع السياسة العامة. مغرب يتحرك على أكثر من إيقاع، لكنه يحاول أن يحافظ على نغمة واحدة: نغمة الاستباق والتموقع.

أول هذه الإيقاعات هو رهان السيادة المائية، الذي لم يعد ترفًا خطابيًا ولا شعارًا مناسباتيًا. الأرقام المرتبطة بمخزون سد الوحدة ليست مجرد معطى تقني، بل رسالة سياسية وتنموية في آن واحد: الدولة التي تستثمر في الماء تستثمر في الاستقرار. فالماء هنا ليس فقط للشرب أو السقي، بل هو أداة للحماية من الصدمات، ومصدر للطاقة، وشرط من شروط السيادة في زمن التغيرات المناخية الحادة.

الإيقاع الثاني يأتي من المدرسة والمرفق العام، حيث يكشف قرار تأجيل الامتحانات عن مفارقة ذكية: كيف يمكن لحدث رياضي قاري أن يفرض منطقه حتى على الزمن المدرسي. قد يرى البعض في الأمر تنازلاً، لكن القراءة الأعمق تقول إن الدولة تحاول إدارة الزمن الاجتماعي بمرونة، والاعتراف بأن التظاهرات الكبرى ليست معزولة عن الحياة اليومية للمواطنين، بل جزء منها.

اقتصاديًا، يطل قطاع الصناعة التقليدية كقصة صمود هادئة. نمو الصادرات في سياق عالمي ضاغط يعني أن الاقتصاد المغربي لا يعتمد فقط على القطاعات الثقيلة، بل يجد في التراث والمهارة اليدوية رافعة حقيقية للقيمة المضافة. وفي الخلفية، يتحرك الدرهم بحذر بين الدولار والأورو، بينما تدبّر الخزينة فائضها بلغة الأرقام الباردة، في مشهد يعكس سعيًا إلى توازن مالي دون ضجيج.

أما الإصلاح الضريبي، وتحديدًا آلية الحجز في المنبع للضريبة على القيمة المضافة، فهو عنوان مرحلة جديدة من العلاقة بين الدولة والفاعل الاقتصادي: أقل تساهلًا، وأكثر تنظيمًا. هو انتقال من منطق الثقة المطلقة إلى منطق الامتثال المراقَب، في محاولة لتأمين الموارد دون خنق المبادرة.

وفي القلب من كل ذلك، يبرز الإشعاع القاري عبر كأس أمم إفريقيا. النجاح التجاري غير المسبوق للبطولة ليس تفصيلاً رياضيًا، بل تتويج لمسار اختار فيه المغرب أن يجعل من الرياضة بوابة للدبلوماسية الناعمة، ومن التنظيم المحكم وسيلة لتعزيز صورته قارياً ودوليًا. هنا، تتحول الكرة إلى اقتصاد، والملعب إلى منصة نفوذ.

أما على مستوى العناوين اليومية، فإن إقرار عيد الوحدة، وتعزيز الشراكات الإفريقية والدولية، وتوالي مشاريع السدود والإصلاحات المؤسساتية، كلها تؤكد أن الدولة تشتغل بمنطق التراكم لا القطيعة، وبسياسة الخطوات الصغيرة ذات الأثر الكبير.

المغرب لا يعيش حدثًا واحدًا، بل يعيش مرحلة. مرحلة تُدار فيها الملفات الثقيلة بعقل بارد، وتُستثمر فيها اللحظات الرمزية – من الماء إلى الكرة – لبناء سردية دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف أن الطريق إلى المستقبل لا يُعبد بخطاب واحد، بل بتوازن دقيق بين الاستراتيجية والواقع.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button