المغرب… مسار واحد بعناوين متعددة

عندما نضع عناوين الصحف جنبًا إلى جنب، يتضح أن المشهد العام لا يقوم على أحداث متفرقة، بل على مسار متكامل تتقاطع فيه الدبلوماسية مع الاقتصاد، ويتعاضد فيه الأمن مع الإشعاع الرياضي، في صورة تعكس تحولا هادئا لكنه عميق في موقع المغرب إقليميًا ودوليًا.
ففي المجال الدبلوماسي، يواصل المغرب تثبيت تموقعه كفاعل موثوق في القضايا الكبرى، إذ لا يمكن فصل الدعوة الأمريكية الموجهة إلى جلالة الملك محمد السادس للانخراط في مبادرة دولية للسلام، عن الدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي. كلا المعطيين يعكسان منطقًا واحدًا: الثقة الدولية تُمنح لمن يملك رؤية واستمرارية، لا لمن يكتفي بردود الفعل الظرفية.
وانطلاقًا من هذا التموقع السياسي، تبرز الشراكات الاقتصادية كامتداد طبيعي للدبلوماسية. فالعلاقات المغربية الأمريكية، التي تتعزز على المستوى السياسي، تنعكس مباشرة على دينامية التبادل الاقتصادي، كما تظهره أرقام صادرات الصناعة التقليدية. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بنمو قطاع بعينه، بل بتأكيد خيار اقتصادي يقوم على تنويع القواعد الإنتاجية وربط المحلي بالأسواق العالمية.
وفي السياق ذاته، يظل الاستقرار الأمني عنصرًا حاسمًا في هذه المعادلة. فمجهودات مكافحة الاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية لا تنفصل عن مناخ الثقة الذي تحتاجه الاستثمارات والشراكات الدولية. الأمن، في هذه الحالة، ليس مجرد وظيفة ردعية، بل شرط أساسي لاستدامة التنمية وحماية الاختيارات الاستراتيجية للبلاد.
وعلى مستوى الإشعاع الرمزي، تأتي الرياضة لتكمل هذه الصورة. فرغم خسارة نهائي كأس أمم إفريقيا، نجح المغرب في تحويل التظاهرة إلى واجهة دولية لقدراته التنظيمية والبشرية. وهنا، يصبح التنظيم الناجح امتدادًا للدبلوماسية، ورافعة للاقتصاد، ورسالة أمنية في آن واحد، مفادها أن المملكة قادرة على تدبير الأحداث الكبرى بثقة ومسؤولية.
وخلاصة القول، ما تكشفه الصحف اليوم ليس حصيلة يوم عادي من الأخبار، بل ترابط حلقات مشروع وطني واحد. مشروع يراهن على الهدوء بدل الارتجال، وعلى التراكم بدل القفز، وعلى بناء الصورة قبل التباهي بها. وفي هذا السياق، قد تختلف النتائج الظرفية، لكن الاتجاه العام يبدو واضحًا: المغرب يسير بخطى ثابتة في مسار طويل النفس، عنوانه الاتساق قبل الإنجاز.



