في العالم الٱخر

بقلم: الاستاذ مولاي الحسن بنسيدي علي
حمل الكأس كما تُحمل الفكرة حين تُفرَّغ من معناها، ومضى لا بوصفه منتصرًا، بل شاهدًا على مفارقة التاريخ حين يُكافئ الضجيج ويعاقب القيمة. عاد إلى بلده تحمله الجموع -ورائحة العفونة تفوح منه-، لا احتفاءً به، بل هروبًا من مرآة السؤال: ماذا نكون حين نصفّق لما لا يشبهنا؟ كان وجهه شاحبًا، لأن القلب—حين يدرك زيف الرمز يصير مضغة سوداء—يعجز عن التمثيل طويلًا، فتفضحه ملامحه مهما أُحكم الغراب القناع.
ابتسامة رئيسه لم تكن إلا استعارة للسلطة حين تُتقن فنّ الادّعاء؛ سلطة تعرف كيف تبتسم دون أن تشعر، وكيف تحتفل دون أن تؤمن، لأن الإيمان عبء، ولأن المعنى أخطر من أن يُترك حيًّا. أما الجموع المتعطشة للفرح، فقد اندفعت كالوحوش الجائعة في الشوارع المتهالكة كما يندفع الوعي المعلَّق بين الحاجة والوهم، عارية من لباس القيم والٱدمية، تتعرّى لا من الفقر، بل من المعايير، وقد استبدلت الأخلاق بالعدد، والحق بالهتاف، والمعنى بالكثرة.
كان المشهد درسًا في الثقافة حين تُختزل إلى فرجة، وفي السياسة حين تتحوّل إلى إدارة للغرائز البهيمية. رقصوا لا لأنهم فرحوا، بل لأن الرقص آخر ما تبقّى حين يُصادر التفكير. أصغوا لتهاني القادمين من هوامش التاريخ، أولئك الذين لم يدخلوا الحضارة إلا زوّارًا عابرين، فظنّوا أن الضجيج إقامة، وأن الصراخ هوية.
وفي قلب هذا العبث، ارتفعت رقصة الكائن المختلف قيس البهلوان مع أتباعه، يحدوه الكبران التبوني وقد ملأ الدنيا طربا مع شردمة شعب لا قيمة ولا وزن له رقصوا كالطائر المذبوح رقصة لا بوصفها إبداعًا، بل باعتبارها فعل محو؛ داس على الوجوه والأعراف والتاريخ الذي يذكّره باستمرار، وأحرق النضارة لأن الجمال سؤال أخلاقي لا يحتمله من تعوّد القبح. سواء في بلاد المجزار الجزائر أم بأرض زنكة زنكة المحترقة أم عند من أخفوا وجوههم بخرقة الغذر، وقد احتفوا مع البعبع حسام الاقرع نكاية في من علموهم القيم وكيف يكون التفوّق والنجاح والتنظيم الحقيقي، والنموّ والارتقاء في بلاد الملوك والابطال يفضح العجز في العالم الٱخر.
لم يكن احتفال الغربان والكراغلة إلا اجتماعًا رمزيًا للرداءة حين تتحالف: سلطة تُدير الوهم، وجموع تستهلكه، ونخبة هامشية تبرّر له. انتقاما في الأبطال، لا لأنهم أخطأوا، بل لأنهم ما زالوا يقيسون الأشياء بميزان القيمة لا بميزان السوق، وبمنطق التاريخ لا بعرض اللحظة.
وهكذا، لم يعد الكأس رمزًا للنصر، بل علامة على زمن اختلط فيه المجاز بالحقيقة، وصارت السياسة بلا أخلاق، والثقافة بلا ذاكرة، والفرح بلا سبب. زمنٌ يُرفع فيه الرمز عاليًا لا ليُكرَّس، بل ليُخفِي خواءه، وتُصنع فيه الأساطير لا لتُلهم، بل لتُلهي، حتى لا يُطرح السؤال الأشد إيلامًا: من الذي انتصر فعلًا… ومن الذي خسر نفسه؟
وبلادي أرض المعجزات عاش المغرب قويا مهابا ولا عاش من خانه



