الإعلام الجزائري يقبر صوت العقل والحكمة
تعيش المنطقة المغاربية منذ سنوات على وقع توتر إعلامي متصاعد بين الجزائر والمغرب، تجاوز حدود النقد السياسي المشروع إلى مستوى من التحريض والتضليل الذي يهدد قيم الجوار ووحدة المصير المشترك.
هذه الحرب الإعلامية التي غذتها أكثر الثورة الرقمية من خلال غزارة منصات التواصل، لم تعد مجرد تبادل للاتهامات، بل تحولت إلى سلاح ممنهج يستهدف تشويه صورة المغرب داخلياً وخارجياً، عبر حملات دعائية تقودها المؤسسات الإعلامية الرسمية الجزائرية وغير الرسمية ومنصات التواصل الاجتماعي التي فقدت صلتها بأخلاقيات المهنة وموضوعية وصدقية الخبر.
فالإعلام الجزائري الرسمي وشبه الرسمي بات يعتمد خطاباً عدائياً يقوم على نشر الأكاذيب وتزييف الحقائق، في محاولة لتوجيه الرأي العام الداخلي نحو عدو خارجي وهمي، كلما اشتدت الأزمات السياسية أو الاقتصادية داخل البلاد. فبدل أن يكون الإعلام وسيلة للتنوير والنقاش الحر، أصبح أداة لتبرير الفشل الداخلي وصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية التي تهم المواطن الجزائري.
في المقابل، اختار المغرب نهجاً أكثر اتزاناً، يقوم على الرد بالحجة والوقائع، دون الانجرار إلى مستوى الخطاب العدائي. فالمؤسسات الإعلامية المغربية، رغم اختلاف توجهاتها، تدرك أن المعركة الحقيقية ليست مع الشعب الجزائري الشقيق، بل مع آلة دعائية تسعى إلى زرع الكراهية بين شعبين تجمعهما روابط التاريخ والدين والثقافة.
خطورة الإعلام الكاذب لا تكمن فقط في تشويه صورة الدول، بل في قدرته على خلق أجيال مشبعة بالأحكام المسبقة والعداء المصطنع. فحين يُغذّى الرأي العام بالمغالطات، يصبح من الصعب بناء جسور الثقة والتعاون بين الشعوب، والإعلام، حين يفقد ضميره المهني، يتحول إلى سلاح دمار ناعم، يزرع الفتنة ويقوّض الاستقرار.
إن ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيداً من الصراعات الإعلامية، بل صحافة مسؤولة تضع الحقيقة فوق الحسابات السياسية، وتدرك أن الكلمة قد تكون جسراً للتقارب كما قد تكون شرارة للانقسام. فالمغرب والجزائر، مهما اختلفت مواقفهما، يظلان بلدين شقيقين تجمعهما الجغرافيا والمصير المشترك، ولا يمكن لأي خطاب كاذب أن يمحو هذه الحقيقة.
ويبقى الأمل في أن أوجه الدعوة مرة أخرى إلى الإعلاميين في كلا البلدين وبالأخص إلى الزميلات والزملاء في الجزائر للعودة إلى ضمير المهنة، جوهر رسالتنا الاعلامية النبيلة خدمة للحقيقة لا غير، واحترام ذكاء الشعوب، والمساهمة في بناء وعي جماعي قائم على التفاهم لا على التضليل. فالحرب الإعلامية لا رابح فيها، والخاسر الأكبر هو الوعي المغاربي المشترك الذي يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى صوت العقل والحكمة.



