لقاء فكري بمكناس حول مسرحية “أسفار في شغف مجنون ـ إسلي وتسليت” للكاتب والناقد المسرحي الدكتور عبد الرحمان بنزيدان

بقلم: أحمد الميداوي
في سياق الاحتفال بالسنة الأمازيغية، وبروح وطنية جامعة تجعل من التنوع الثقافي رافعة للوحدة لا نقيضا لها، يحتضن المشهد الثقافي المكناسي لقاءً فكريا نوعيا حول مسرحية “أسفار في شغف مجنون ـ إسلي وتسليت”، لصاحبها، الدكتور عبد الرحمان بنزيدان، أحد الأسماء البارزة في المسرح المغربي والعربي، وواحد من القامات الفكرية التي راكمت تجربة غنية في مجالات النقد والتأليف والتنظير المسرحي.
اللقاء لا يندرج فقط ضمن منطق التقديم الأكاديمي لكتاب متمايز، بل يتجاوز ذلك ليكون فعلا ثقافيا رمزيا يؤكد أن الثقافة الأمازيغية ليست هامشا في الهوية المغربية، بل مكوّنا أصيلا في نسيجها الحضاري، يتفاعل مع باقي الروافد العربية، الإفريقية، الأندلسية، المتوسطية… داخل وحدة وطنية راسخة. ولا يكتفي أيضا بالقراءة الفنية للنص، بل ينفتح على أبعاده الرمزية والأنثروبولوجية، وعلى أسئلته العميقة المرتبطة بالهوية والذاكرة والأسطورة والحب المأساوي في المخيال الثقافي المغربي، كما تتجلى في أسطورة إسلي وتسليت، التي تتحول في هذه المسرحية إلى خطاب إنساني كوني يتجاوز المحلي نحو أفق إنساني أرحب.

ومن هنا فإن اللقاء يكتسي أربعة أبعاد متمايزة. بُعدٌ فكري: قراءة في مسرحية “إسلي وتسليت” بوصفها نصا يزاوج بين البعد الرمزي والأسطوري والقراءة الجمالية والفكرية. بُعدٌ ثقافي: تثمين الثقافة الأمازيغية كحاضنة للمعنى والذاكرة والرمز. بُعدٌ وطني: تكريس فكرة أن التعدد الثقافي هو مصدر قوة وتماسك لا تفرقة وانقسام. أما البُعد الرابع، فهو بُعد مسرحي بامتياز، ويتجلى في إبراز إسهام الدكتور بنزيدان في بناء خطاب مسرحي نقدي عربي معاصر. فالرجل، صاحب المسرحية، ليس مجرد باحث أكاديمي، بل مشروع ثقافي متكامل: كتب في النقد المسرحي بعمق ممنهج. أسهم في التنظير المسرحي وطنيا وعربيا، وجمع بين الممارسة الفنية والتأصيل الفكري، فضلا عن كونه اشتغل على المسرح كفضاء للهوية، والرمز، والإنسان.
قوة اللقاء حول “إسلي وتسليت”، تأتي كذلك من كونه لحظة ثقافية مركبة، تجمع بين الفكر والمسرح والهوية والذاكرة الوطنية، وتؤكد أن الثقافة حين تكون واعية بجذورها، تكون أقدر على صناعة المستقبل. بمعنى أن تنظيم اللقاء في سياق السنة الأمازيغية، يحمل رسالة واضحة بأن المغرب لا يحتفي بتعدده كشعار، بل ُيفعّله كممارسة ثقافية حية، وأن الثقافة ليست احتفالا فولكلوريا، بل وعيا وهوية ورؤية مستقبلية.
واللقاء في الصالون الأدبي الدافئ والمضياف، للأستاذة الشاعرة، لطيفة الغراس، بالعاصمة الإسماعيلية، المدينة العريقة التي كانت دائما فضاءً للعلم والذاكرة والتعدد، يُمثل أيضا لحظة احتفال زمني بذاكرة حضارية ممتدة، وهوية راسخة، وجذر عميق في تاريخ هذا الوطن. هي ذاكرة إسلي وتسليت، لا باعتبارهما مجرد حكاية شعبية أو أسطورة متداولة، بل بوصفهما نصا رمزيا مفتوحا، يحمل في طياته معاني الحب، والوفاء، والتضحية، والصراع بين الإنسان والطبيعة، وبين الفرد والجماعة، وبين الرغبة والقدر. إسلي وتسليت ليسا فقط شخصيتين في الذاكرة المغربية، بل هما مرآة لوجدان الإنسان الأمازيغي، وصوت من أصوات الحكمة الشعبية التي صاغتها التجربة، وخلّدها الخيال الأمازيغي.
ميزة هذا اللقاء كونه من تنظيم جمعية “عبق الخريف”، هذا الوعاء الثقافي الذي راكم تجربة نوعية في خدمة الثقافة والهوية والفعل الرمزي، تحت رئاسة الشاعرة المبدعة لطيفة الغراس، نموذج المرأة المثقفة المنخرطة في بناء المعنى، وصناعة الجمال، وربط الإبداع بالفعل الثقافي المسؤول، لا بالبهرجة الثقافية القائمة على التودد والمدارات، وعلى اللقاءات التكريمية التافهة التي دأبت عليها محليا، جمعيات سطحية هي اليوم في طور الولادة وفي البحث المتعثر عن أسلوب التعامل مع الفعل الثقافي.

مبادرة الأستاذة لطيفة الغراس تعكس برأي كافة المشاركين وعيًا عميقا بدور الثقافة في بناء الإنسان، وترسيخ قيم الحوار، والانفتاح، والتعايش، وربط الاحتفاء بالسنة الأمازيغية بالفعل الثقافي الجاد، لا بالاكتفاء بالرمزية الشكلية.
ثم إن اختيار مسرحية أسفار في شغف مجنون ” إسلي ونسليت”، للاحتفال بالسنة الأمازيغية هو اختيار واعٍ بالدلالة: اختيار يعيد الاعتبار للتراث اللامادي، ويمنح للأسطورة بعدها الثقافي والمعرفي، ويربط الماضي بالحاضر، ويجعل من الذاكرة أفقا للتفكير لا مجرد حنين.
ويوجز الكاتب والناقد والمُنظّر المسرحي، الصديق عبد الرحمان بنزيدان، هذا اللقاء في كونه “ليس احتفالا فقط، بل هو مساحة حوار، ومجال تفكير، وإصغاء لقراءات مختلفة، وزوايا رأي متعددة، وطرح سؤال التراث على أسئلة الحاضر: سؤال الهوية، وسؤال التنوع، وسؤال الذاكرة، وسؤال المستقبل”.
وتأمل الأستاذة لطيفة الغراس من جهتها، في أن يكون اللقاء “فضاءً للنقاش المثمر، والتفاعل الخلاق، والتفكير المشترك في معنى التراث، وفي كيفية تحويل الذاكرة الثقافية إلى طاقة رمزية تبني الحاضر وتؤسس للمستقبل”. ولم يفتها أن أكدت في نفس السياق أن “اللقاء يزداد قيمة لأنه يتمحور حول عمل للدكتور عبد الحمان بنزيدان، هذه القامة المغربية والعربية التي أغنت المكتبة الفكرية والمسرحية بنصوصها النقدية والتنظيرية والإبداعية، وجعلت، على حد قولها، من المسرح والفكر الثقافي، مجالا للتفكير في المجتمع والإنسان والهوية، لا مجرد ممارسة فنية منعزلة عن سياقها الحضاري”.
وتتجلى القيمة المضافة لهذا اللقاء في كونه من تنشيط قامة أدبية وفكرية وازنة، الأستاذ عبد الحق السرغيني، صاحب عدة مصنفات في الكتابة الروائية والمسرحية، الذي سيمنح النقاش عمقه المعرفي ورصانته الفكرية، بما راكمه من تجربة نقدية وأدبية جعلت حضوره ضمانة لجودة التأطير والحوار، ورافعة حقيقية لتحويل اللقاء من مجرد قراءة في نص مسرحي إلى لحظة فكرية مفتوحة على أسئلة الثقافة والهوية والجمال والمعنى.
ويشارك في اللقاء أيضا الأستاذ محمد بوحاشي، بمداخلة حول بعض الطقوس الأمازيغية برأس السنة الفلاحية.



