Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين الحدث الافريقي

الجزائر خارج الطاولة

في زمن تتقاطع فيه السياسة مع الرياضة، والدبلوماسية مع الاقتصاد، لم تعد الوقائع تُقرأ منعزلة عن سياقها، ولا الأحداث تُقاس بحجم الضجيج الذي تخلقه، بل بوزنها الحقيقي في ميزان التأثير. من غزة التي يُعاد رسم ملامح ما بعدها في دوائر القرار الدولية، إلى الملاعب الإفريقية التي تحولت إلى منصات رسائل سيادية، وصولًا إلى مؤشرات الاقتصاد والثقة الاجتماعية، يفرض سؤال الحضور والتموقع نفسه بإلحاح في مرحلة إقليمية دقيقة، تُكافئ من يشتغل بهدوء وتعاقب من يكتفي بالشعارات.

في هذا السياق، يبرز غياب الجزائر عن مجلس السلام الخاص بقطاع غزة، الذي يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويضم دولًا عربية وازنة من بينها المغرب، بوصفه معطى سياسيًا لا يمكن فصله عن مسار طويل من الانكفاء والعزلة. فالجزائر التي طالما قدمت نفسها طرفًا محوريًا في القضية الفلسطينية، تجد نفسها اليوم خارج دائرة الفعل، في لحظة تتطلب حضورًا وازنًا وقدرة على التأثير، لا مجرد خطابات استهلاكية موجّهة للاستهلاك الداخلي.

هذا الغياب، كما يرى معارضون ومحللون جزائريون، ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل نتيجة طبيعية لاختيارات دبلوماسية متوترة، راكمت الخصومات بدل بناء الشراكات، وأضعفت صورة البلاد لدى الفاعلين الدوليين. فالدول لا تُستدعى إلى طاولات السلام بناءً على التاريخ الخطابي، بل وفق ميزان الثقة، والقدرة على الإسهام في الحلول، ومدى الانسجام مع منطق التهدئة لا التأزيم.

وفي مقابل هذا المشهد، يبرز النموذج المغربي بخيارات مغايرة، قوامها العمل التراكمي، وتوسيع شبكة العلاقات، والاستثمار في القوة الناعمة. لم يكن نجاح تنظيم كأس إفريقيا للأمم فوق التراب الوطني مجرد حدث رياضي، بل تحول إلى لحظة سيادية بامتياز، استثمرها المغرب لتكريس صورته كدولة قادرة على التنظيم، وضامنة للأمن، ومتشبثة بقيم الأخوة والاحترام داخل عمقها الإفريقي.

بلاغ الديوان الملكي الذي أعقب هذه التظاهرة لم يأتِ بلغة احتفالية، بل بصياغة سياسية دقيقة، تؤكد أن حملات التشهير ومحاولات التشويش لن تنال من مصداقية المملكة، لأن هذه المصداقية ليست شعارًا، بل نتاج مسار من المنجزات الملموسة. الأهم في البلاغ لم يكن الرد على الخصوم بقدر ما كان الرهان الواضح على وعي الشعب المغربي، باعتباره صمام أمان يحصّن الجبهة الداخلية ضد كل محاولات الوقيعة.

هذا الوعي الشعبي، الذي جرى التأكيد عليه بوضوح، يعكس فلسفة حكم ترى في التماسك الداخلي شرطًا لأي حضور خارجي مؤثر. فالدول التي تعرف كيف تُدير اختلافاتها، وتُحصّن رأيها العام، هي وحدها القادرة على الصمود أمام حملات التضليل، وعلى تحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي.

ولا ينفصل هذا التموقع السياسي عن التحولات الاقتصادية والمؤسساتية التي يشهدها المغرب، من تعزيز قوته الصناعية، وارتفاع أداء صادراته، إلى تسجيل مؤشرات إيجابية في ثقة الأسر، رغم التحديات الاجتماعية القائمة. فالحضور في الخارج يبدأ من بناء الداخل، ومن امتلاك نموذج تنموي يمنح الخطاب السياسي صدقيته، ويحول الدبلوماسية إلى امتداد طبيعي للاقتصاد والاستقرار.

في المقابل، تكشف محاولات بعض الأطراف استغلال أحداث رياضية أو إنسانية لإذكاء التوترات، عن عجز في إنتاج بدائل حقيقية، والارتهان لمنطق التشويش بدل التنافس الإيجابي. غير أن التجربة أظهرت أن هذا الأسلوب يفقد مفعوله أمام دول راهنت على الزمن الطويل، وعلى بناء الثقة، وعلى ترسيخ حضورها داخل محيطها القاري.

الخلاصة أن السياسة، مثل كرة القدم، لا تُحسم بالنيات ولا بالأحقية المعلنة، بل بالعمل والانضباط واحترام قواعد اللعبة. من يشتغل على صورته، ويُراكم الإنجاز، يجد نفسه حاضرًا حين تُصنع القرارات. ومن يكتفي بالشعار، يظل خارج القاعة، يراقب التحولات من بعيد. وبين الحضور والغياب، يتحدد اليوم وزن الدول الحقيقي في عالم لم يعد يعترف إلا بمن يملك القدرة على الفعل، لا الاكتفاء بالادعاء.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button