التقنيات الحديثة وحماية المعطيات الشخصية.. أي توازن؟ المادة 108 من المسطرة الجنائية كنموذج

بقلم/ المحامية سليمة فراجي
بالرغم من الأهمية التي يكتسيها اعتماد التقنيات الحديثة في البحث والتحري عن الجرائم، فإن هذه المستجدات تثير تساؤلًا جوهريًا حول مدى انسجامها مع حماية المعطيات الشخصية، باعتبار هذه الأخيرة أحد المكونات الأساسية للحق في الحياة الخاصة.
فالمادة 108 امتدّت من التقاط المكالمات الهاتفية إلى جميع أشكال الاتصالات الإلكترونية او المنجزة بواسطة وسائل التكنولوجيا الحديثة ومراجع الدعامات المستخدمة في هذه الاتصالات وتسجيلها والتقاط نسخ منها او حجزها مثل الرسائل النصية والصوتية الرقمية عبر الواتساب او ميسنجر او سينيال … وغيرها ، وكذا كل ما هو موجه من مراسلات عبر البريد الاكتروني مثل ياهو او جيمايل .. ، وكذا جميع المكالمات الصوتية والمرئية المرسلة عبر الانترنيت مثل زوم وغيره اضافة إلى كل ما هو مرسل عبر شبكات التواصل الاجتماعي مثل فاسبوك وانستغرام وتيكتوك
علما ان هذه المسطرة اي اجراءات الالتقاط لم تعد محصورة في اختصاص قضاة التحقيق او الوكلاء العامين للملك وانما امتدّت كذلك إلى وكلاء الملك لما يتعلق الامر بالجنح
ومن الجرائم التي اضيفت لمقتضى هذه المادة جرائم انتحال الهوية الرقمية للغير بغرض تهديد طمأنينته او المساس بشرفه او اعتباره او نقل او بث او نشر محتوى إلكتروني ذي طابع اباحي موجه للقاصرين او الجرائم الانتخابية، بل ان المادة المذكورة وفي إطار توسيع نطاقها امتدّت كذلك إلى الجنح المرتبطة او غير القابلة للتجزئة وبالتالي قد تطبق على جميع الجرائم وليس فقط الواردة على سبيل الحصر في المادة 108 ، ونتمنى ان يتم الانتصار للرقابة القضائية والضرورة والتناسب لعدم توسيع حالات الاستثناء
نستنتج مما سبق ان التسجيل السمعي البصري، والتنصت، وجمع الأدلة الرقمية، وإن كانت تهدف إلى تعزيز شفافية الإجراءات وفعالية البحث الجنائي، فإنها تنطوي في الوقت ذاته على معالجة واسعة لمعطيات شخصية، بل أحيانًا لمعطيات حساسة، لا تهم فقط المشتبه فيهم، وإنما تمتد إلى أشخاص لا علاقة لهم بالفعل الجرمي.
وهنا لا يمكن الحديث عن تناقض صريح بين قانون المسطرة الجنائية وقانون حماية المعطيات الشخصية، بقدر ما نحن أمام توتر تشريعي مشروع، تفرضه متطلبات الأمن من جهة، وضرورة حماية الحقوق والحريات من جهة أخرى. غير أن هذا التوتر قد يتحول إلى مساس غير مشروع بالمعطيات الشخصية إذا لم يُقيد اللجوء إلى هذه التقنيات بمبادئ الضرورة والتناسب، ولم يخضع لرقابة قضائية صارمة.
للاشارة إن الخطر الحقيقي لا يكمن في النص القانوني في حد ذاته، وإنما في ممارسته العملية، حين يتحول الاستثناء الإجرائي إلى قاعدة، وحين تُجمع المعطيات على نطاق واسع دون تحديد دقيق للغرض أو مدة الحفظ أو شروط الإتلاف.
ومن ثَمّ، فإن نجاح هذه المستجدات يظل رهينًا بمدى احترامها لمبدأ التوازن بين فعالية البحث الجنائي وحماية المعطيات الشخصية، حتى تظل التقنيات الحديثة أداة لخدمة العدالة، لا مدخلًا للمساس بالحقوق الأساسية.



