تويشية دكدوكية..خريف السَّقَم

بقلم / القبطان عبد الله دكدوك
لم يكن الخريف في تلك البلاد فصلًا،
كان مزاجًا عامًا.
حالةً تتبدّل فيها الألوان، لا لأن الطبيعة شاءت،
بل لأن النفوس تعبت من الثبات.
كانت المدينة تبدو متماسكة من بعيد:
مبانٍ واقفة، شوارع مزدحمة، خطابات تُلقى كل صباح عن الأخوّة والوحدة والمصير المشترك.
لكن من الداخل،
كان شيء ما يتآكل بصمت…
شيء لا يُرمَّم بالإسفلت ولا يُخفى بالأعلام.
في تلك المدينة، تعلّم الناس باكرًا درسًا غير مكتوب:
لا تُظهر قيمك كاملة،
اترك منها ما يكفي للمساومة.
فالصدق الصافي يُكلف،
والثبات يُقصي،
أما التلوّن… فكان جواز عبور.
كان سالم واحدًا من أولئك الذين لم يتقنوا اللعبة.
آمن أن العلاقات تُبنى على الموقف،
وأن الأخوّة لا تُختبر في الولائم بل في الأزمات.
وحين جاءت الأزمة—كما تأتي دائمًا—لم يتأخر.
اختار الناس،
واختار الكلام،
ودفع الثمن وحده.
أما نديم،
فكان ابن المرحلة بامتياز.
لا يقف ضدك،
ولا يقف معك.
يمشي بمحاذاة الريح،
ويُقنع نفسه أن النجاة ذكاء،
وأن القيم جميلة… لكنها غير عملية.
قال له سالم ذات مساء،
حين بدأت الوجوه تتبدل:
“الوقوف في المنتصف خيانة مؤجلة.”
ضحك نديم،
وقال بثقة من يعرف كيف ينجو:
“الخيانة أن تخسر كل شيء.”
لم يفهم سالم حينها
أن الخسارة في تلك البلاد
لم تكن في السقوط،
بل في التنازل البطيء
الذي لا يشعر به صاحبه
إلا حين ينظر في المرآة
ولا يتعرّف على نفسه.
مع الوقت،
صار سالم عبئًا.
كلماته تذكير مزعج،
مواقفه مرآة لا يريدها أحد.
فابتعدوا عنه،
واختبأوا خلف الأعذار:
نحن معك قلبًا… لكن الظروف.
نؤمن بما تقول… لكن الوقت خطير.
الوقت كان دائمًا خطيرًا
حين يتعلّق الأمر بالمبادئ.
سقط سالم خارج المشهد،
بلا ضجيج،
بلا بطولة.
وفي اليوم ذاته،
صعد نديم درجة أخرى في السلم،
يتحدث عن الاستقرار،
عن العقلانية،
عن ضرورة تجاوز الشعارات.
مرت السنوات.
هدأت العاصفة،
لكن المدينة لم تتعافَ.
العلاقات صارت هشّة،
الثقة نادرة،
وكل يد ممدودة
كانت تُفحص
لا بحثًا عن الصدق
بل عن الفائدة.
وحين تغيّرت الموازين مرة أخرى،
وحين صار نديم غير نافع،
اكتشف الحقيقة المتأخرة:
أن من بنى حياته على المصلحة،
لا يجد أحدًا
يحمل عنه السقوط.
طرق الأبواب التي كان يعرفها،
فُتحت له قليلًا،
ثم أُغلقت.
قيل له ببرود مألوف:
“انتهت الحاجة.”
في تلك اللحظة فقط،
فهم أن الخيانة
لا تُكافئ أحدًا طويلًا،
وأن الشعوب التي لا تضبط علاقاتها بالقيم،
تتحوّل إلى ساحة
يأكل فيها الجميع بعضهم
حتى الفراغ.
هذه ليست حكاية سالم،
ولا نديم،
ولا مدينة واحدة.
هذه حكاية مجتمعات
ظنّت أن القيم عبء،
فحملت بدلها الخوف.
ظنّت أن الصمت حكمة،
فاكتشفت أنه مشاركة.
العِبرة واضحة لمن يريد أن يرى:
حين تصبح المصلحة معيار العلاقات،
يسقط الإنسان أولًا،
ثم يسقط كل شيء بعده.
فالخريف لا يقتل،
الاستسلام له يفعل.
وأسوأ ما يمكن أن يصيب شعبًا
ليس القهر…
بل أن يعتاده
ويُسمّيه واقعًا.



