حين تتقاطع الدبلوماسية بالإصلاح… وتتكلم الأرقام بدل الشعارات

لا تحتاج قراءة أبرز اهتمامات الصحف الإلكترونية وعناوين الجرائد الوطنية الصادرة اليوم إلى الكثير من العناء لاكتشاف الخيط الناظم بينها: المغرب يتحرك في أكثر من اتجاه، ولكن بخطاب واحد عنوانه التموقع الهادئ والفعّال.
ففي الواجهة، تواصل الدبلوماسية المغربية تثبيت منطق الشراكات الذكية، لا تلك القائمة على المجاملة السياسية، بل على التكامل الاقتصادي ونقل القيمة. من سانتياغو الشيلي إلى الرباط، ومن التعاون جنوب–جنوب مع السنغال إلى الانفتاح على أمريكا اللاتينية، يتضح أن الرباط لم تعد تبحث عن “أصدقاء ظرفيين”، بل عن شركاء يتقاطع معهم منطق الابتكار، الطاقات النظيفة، والصناعات المستقبلية. إنها دبلوماسية بلا ضجيج، لكنها غنية بالمضمون.
في العمق، تكشف الأرقام المالية التي قدمها الوزير المنتدب المكلف بالميزانية أن الإصلاح لم يعد شعارًا سياسياً مستهلكاً. ارتفاع المداخيل الجبائية بـ127 مليار درهم خلال أربع سنوات ليس رقمًا عادياً، بل مؤشر على انتقال الدولة من منطق التدبير الدفاعي إلى منطق التخطيط الاستباقي، رغم السياق الدولي المضطرب. غير أن السؤال المشروع يبقى: هل ستواكب هذه القفزة المالية قفزة مماثلة في جودة الخدمات العمومية وعدالتها المجالية؟
وفي السياق نفسه، يأتي الإعلان عن توظيف أطر للإرشاد بالأمازيغية داخل الإدارات ليؤكد أن إصلاح الإدارة لم يعد تقنيًا فقط، بل هوياتيًا ومجتمعيًا. فاللغة هنا ليست مجرد أداة تواصل، بل اعتراف دستوري يُترجم أخيرًا إلى ممارسة ميدانية، وإن كانت لا تزال في بدايتها.
أما المشهد السياسي–الدبلوماسي، فقد اختصرته مأدبة الغداء الملكية على شرف الوزير الأول السنغالي في رسالة واحدة: العلاقات المغربية الإفريقية ليست بيانات مشتركة، بل تقاليد دولة واستمرارية رؤية. حضور المؤسسات الدستورية والوزراء الكبار ليس تفصيلاً بروتوكوليًا، بل تأكيد على مركزية إفريقيا في السياسة الخارجية للمملكة.
وفي زاوية قد تبدو رياضية، لكنها في الواقع سيادية بامتياز، تبرز التعبئة اللوجستية غير المسبوقة لإنجاح كأس إفريقيا للأمم 2025. حين يتم نقل ربع مليون مشجع عبر السكك الحديدية، فإن الأمر يتجاوز كرة القدم إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على التنظيم، والتخطيط، وتدبير الضغط الجماهيري. وهي رسالة موجهة للداخل والخارج معًا.
خلاصة المشهد الإعلامي اليوم تقول إن المغرب لا يرفع السقف الخطابي، بل يراكم الوقائع. بلد يشتغل بهدوء، يصلح من الداخل، ويُفاوض من موقع الثقة، ويستثمر في صورته دون استعراض. ويبقى التحدي الأكبر: كيف تتحول هذه الدينامية المتعددة الواجهات إلى أثر ملموس يشعر به المواطن البسيط قبل أن تلتقطه التقارير الدولية.
ذلك هو الرهان الحقيقي… وما عداه تفاصيل.



