أخبارالرئيسيةصحافة وإعلامكلام والسلاموسائط التواصل

الصحافيون المغاربة..صناع الحقيقة ضحية فساد

تؤكد الاحصائيات أن الصحافي المغربي، الذي ما يزال يشتغل اليوم في مهنة المتاعب، يعيش هشاشة غير مسبوقة بالنظر إلى الارتفاع الغير مسبوق أيضا لسعر المعيش اليومي في المغرب، أما الذي سلّم قلمه وجمع أوراقه، وأطفأ كاميراته و ميكروفونه، يتحول في نظر المؤسسات إلى كائن منقرض، أشبه بآلة كاتبة تُركت في زاوية مكتب قديم. أولئك الذين صنعوا الرأي العام، وواجهوا الرقابة، وكتبوا بمداد الخوف والأمل، من أجل وطن مشرق جذاب قوي بمؤسسات ديمقراطية، وهو ما نعيشه ولله الحمد اليوم في المملكة المغربية، يعيش الصحافيون المتقاعدون اليوم على هامش الحياة، وكأنهم ارتكبوا جريمة اسمها “الوفاء للمهنة” و”الوفاء للتضحية” من أجل الحرية والديمقراطية.

يحدث هذا في وطننا العزيز، الذي يفترض أنه يحتفي بحرية التعبير ويكرّم من حملوا مشعل الكلمة لعقود، يعيش عدد كبير من الصحافيين المغاربة المتقاعدين وضعية اجتماعية لا تليق بتاريخهم ولا بتضحياتهم. أولئك الذين كانوا في الصفوف الأمامية للدفاع عن الحقيقة، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة قاسية مع واقع الهشاشة، وكأنهم عوقبوا على إخلاصهم لمهنة الصحافة.

هذا الواقع شخصه بألم عميق الزميل محمد نبزر، أحد قيدومي الصحافة بالمملكة المغربية، ورئيس تحرير جريدة “الاتحاد الاشتراكي” ، الذي شاركني بإشرافه على تأسيس فرع النقابة الوطنية للصحافة المغربية بجهة بني ملال أزيلال سنة 1996؛ إذ يقول  في كلمة له نيابة عن الصحافيين المتقاعدين في حفل تكريم نظمه منتدى الصحافيات و الصحافيين الشرفيين بالمغرب،  “إن كان لي أن أتحدث باسم الأخوات والإخوة المكرمين فإني أشكر “منتدى الصحافيات والصحفيين الشرفيين بالمغرب” الذي أحيانا بعد مماتنا، فقد”قتلونا” وما كدنا نغادر حتى نسونا، إلا أن فرع النقابة والمنتدى لم ينسونا أبدا، فكروا فينا وزارونا، واليوم يكرموننا”.

بهذه العبارات وهي تخرج حمالة للألم والغربة النفسية وهشاشة الوضعية الاجتماعية لهذه الفئة من حراس الكلمة النظيفة الهادفة المنورة للمجتمع، حفر الزميل نبزر في النفس جرحا غائرا وإحساسا عميقا بالألم لهذا النسيان، ولهذا الوضع الاجتماعي المزري للصحافيين المغاربة المتقاعدين منهم والذين ما يزالون يشتغلون.وهو ما يطرح التساؤل التالي: إلى متى تبقى الصحافيات والصحافيون المغاربة يتذيلون سلم التهميش في بلادنا، ويعيشون حياة العتمة في الوقت الذي يشعلون فيه كل لحظة شمعة تنير درب الأمة، وتسهم في تطوير البلاد وحراستها من الفساد والانزلاقات، ضمانا لسير عدالة مجالية واجتماعية في ظل مؤسسات قوية وجبهة وطنية تشكل صدا منيعا لأعداء الوطن.

هؤلاء الصحافيون المساهمون في تنوير أفكار الأمة وفي صيانة دمقرطة الحياة الوطنية، تشير تقديرات منتدى الصحافيات والصحافيين الشرفيين بالمغرب، أن أكثر من 50 في المائة فقط من الصحافيين المتقاعدين هم من يتوفرون على سكن، وأزيد من 40 في المائة يعتمدون على الكراء  للسكن والإقامة مع الأهل  أو في ظروف غير محددة.

كما يعيش أكثر من 37 في المائة من الصحافيين المتقاعدين تحت معاناة مزمنة مع المرض وغلاء التطبيب، فضلا عن أزيد من 75 في المائة من الزملاء  لا يتوفرون على التأمين الصحي التكميلي، وحوالي 90  في المائة  فحسب هم  من يتوفرون على تأمين صحي إجباري.

 وأبانت نتائج تحليل الاستمارات أن 10 في المائة من الصحافيين المتقاعدين إما لا يتلقون أي معاش، أو يتلقون  معاشا أقل من 2000 درهم، بينما يتلقى حوالي 47 في المائة معاشا يتراوح بين 2000 و6000 درهم، و35 في المائة فحسب يتلقون  معاشا يتعدى 6000 درهم، والذين توجد من بينهم فئة ضئيلة ممن يتقاضون أزيد من 10.000 درهم.

يحدث هذا في المغرب الذي يُنفق الملايير على المهرجانات وجوائزها، يعيش أكثر من 60% من الصحافيين المتقاعدين بدخلٍ لا يتجاوز 3000 درهم شهريًا، وبعضهم بأقل من 1500 درهم، أي ما يعادل ثمن اشتراك إنترنت سريع أو وجبتين في مطعم متوسط. أما من لم يُصرّح بهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فقد أصبحوا “متقاعدين بلا تقاعد”، يعيشون على ذكرياتهم ومقالاتٍ صفراء يحتفظون بها كدليل على أنهم كانوا يومًا ما شيئًا يُذكر.

المشهد عبثي إلى حد البكاء. الصحافي الذي كان يفضح الفساد، أصبح اليوم ضحية فساد في تدبير معاشاته. الصحافي الذي كان يكتب عن معاناة الآخرين، صار هو نفسه مادةً لقصص المعاناة. بعضهم يبيع كتبه القديمة لتغطية ثمن الدواء، وآخرون يعيشون في عزلة تامة، لا يزورهم سوى صدى أصواتهم القديمة في الأرشيفات المنسية.

الخطابات الرسمية تتحدث عن “الاهتمام بالموارد البشرية في قطاع الإعلام”، لكن يبدو أن هذا الاهتمام يبقى حبيس خطابات تنمحي قبل انتهاء كلام أصحابها لتقبر عند باب التقاعد. فبعد عقود من العمل، يجد الصحافي نفسه أمام خيارين: إما أن يتحول إلى حكواتي يروي بطولاته السابقة في المقاهي، أو أن يختفي بصمت، كما تختفي الأخبار غير المرغوب فيها من الصفحات الأولى.

المطلوب ليس صدقة ولا منحة رمزية تُوزع في مناسبة إعلامية، بل كرامة مستحقة. يجب أن يُنشأ صندوق وطني خاص لدعم الصحافيين المتقاعدين، وأن يُعاد النظر في نظام التقاعد داخل المؤسسات الإعلامية التي راكمت الأرباح على حساب عرقهم. كما أن النقابات مطالبة بأن ترفع صوتها، لا أن تكتفي بالبيانات الموسمية التي تُكتب بلغة خشبية لا تُطعم خبزًا ولا تحفظ كرامة.

الصحافي المتقاعد ليس صفحة من الماضي، بل ذاكرة وطنية تمشي على قدمين. كل سطر كتبه كان دفاعًا عن الحقيقة، وكل تحقيق أنجزه كان خدمة للوطن. تركه المسؤولون اليوم يواجه الفقر والمرض بصمت.

لقد آن الأوان لرد الاعتبار لهؤلاء الذين كتبوا تاريخ هذا الوطن بالحبر والصدق، لا أن يُتركوا يواجهون الشيخوخة والفقر بصمت. لأن أمةً تنسى من حملوا أقلامها، هي أمة تكتب نهايتها بيدها.

وفي اعتقادي أن هؤلاء الصحافيات والصحفيين، يجب أن يُمنح لهم وسامًا جديدًا: “وسام الصبر على النسيان”. لأنهم، ببساطة، كتبوا الحقيقة حتى آخر سطر، ثم اكتشفوا أن الحقيقة لا تُصرف في الصيدلية ولا تُدفع بها فواتير الكهرباء.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button