
بقلم :القبطان عبد الله دكدوك
مدرسة النادي المكناسي نموذجًا لمشاتل صناعة المواهب
في زمنٍ لم تعد فيه كرة القدم مجرد لعبة، بل مشروع دولة ورهان أمة، تبرز الحاجة الملحّة إلى اعتماد تفكير علمي عميق واستراتيجيات دقيقة تُزاوج بين التكوين الرياضي والتنشئة السلوكية والقيم الأخلاقية.
ومن هذا المنطلق، تشكّل المدارس الرياضية التابعة للأندية الوطنية حلقة أساسية في منظومة التطوير الشامل التي تشرف عليها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، باعتبارها المشاتل الحقيقية لاكتشاف وصقل المواهب.
وتُعد مدرسة النادي المكناسي واحدة من التجارب الرائدة التي جسّدت هذا التوجّه، حيث فتحت أبوابها في وجه الفئات الصغرى، واضعة نصب أعينها هدفًا واضحًا: تحسين المردود الرياضي عبر بناء الإنسان قبل اللاعب.
رؤية تربوية قبل أن تكون رياضية
النهج المعتمد داخل مدرسة النادي المكناسي لا يقوم على التكوين التقني فحسب، بل يرتكز على فلسفة شمولية تُعلي من شأن القيم والانضباط والسلوك القويم، باعتبارها أسسًا لا غنى عنها لصناعة لاعب متوازن قادر على الاستمرارية والعطاء.
ولهذا الغرض، سخّرت المدرسة كل بنياتها التنظيمية والبشرية، معتمدة على أطر تجمع بين التجربة الميدانية والتكوين الأكاديمي، في انسجام تام مع الاستراتيجيات العلمية التي توصي بها الجامعة الملكية.
محمد الضاوي… نموذج الإطار الشاملوعلى رأس هذه المنظومة، يبرز اسم الإطار الكفء محمد الضاوي، الذي اجتمع فيه ما ندر وجوده في غيره:فهو المربّي الحريص على القيم، والمؤطّر المتشبّع بالمنهجية العلمية، والقائد الحاضر يوميًا في الميدان، قريبًا من الأطر واللاعبين على حد سواء.
إن التواجد المستمر للسيد محمد الضاوي داخل ملاعب المدرسة لا يمرّ دون أثر؛ إذ يشكّل عامل تحفيز ورفع للهمم، سواء لدى الأطر التقنية أو لدى الفئات العمرية الصغرى التي تتلقى أبجديات اللعبة في أجواء تربوية صارمة وداعمة في الآن ذاته.
خبرة اللاعبين الدوليين… الذاكرة في خدمة المستقبل
وتزداد قوة هذا المشروع بحضور أطر تقنية من اللاعبين الدوليين السابقين، الذين شكّلوا جزءًا من ذاكرة النادي والمنتخب الوطني، وساهموا في نقل تجربتهم وخبرتهم للأجيال الصاعدة.ومن بين هذه الأسماء اللامعة:محمد غرغوش (الصامبا)، الدولي السابق وأحد رموز المهارة الكروية.
مصطفى بيدان، أحد صانعي ملحمة مكسيكو 1986 الخالدة.إلى جانب أسماء وازنة مثل شكيب زهير وآخرين، ممن يعملون جميعًا بروح تطوعية عالية وإحساس عميق بالمسؤولية التاريخية.
هؤلاء لا يكتفون بتلقين التقنيات، بل يزرعون الطموح، الثقة بالنفس، وحب القميص، في إطار تحسيسي ذكي يوجّه المواهب نحو صناعة أسمائهم بأقدامهم وعقولهم معًا.الجامعة الملكية… التخطيط العلمي وصناعة الاستمراريةولا يمكن الحديث عن هذا النجاح دون التوقف عند الدور المحوري الذي تلعبه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، من خلال:
وضع استراتيجيات علمية دقيقة لتكوين الفئات الصغرى.توفير تسهيلات لوجستية وبيداغوجية.
الانفتاح على أطر وطنية ودولية لضمان جودة التكوين.
وقد بدأت ثمار هذه السياسة تظهر جليًا، سواء في المدارس الكروية أو الأكاديميات، وعلى رأسها أكاديمية محمد السادس، التي أنجبت أسماءً بصمت على الإنجازات العالمية، من بينها التتويج بكأس العالم لأقل من 20 سنة، وهي الأسماء المرشحة لتشكيل العمود الفقري للنخبة الوطنية في أفق 2030، تزامنًا مع احتضان المغرب لكأس العالم إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
إدارة واعية… خلف الكواليس تصنع النجاح
وإلى جانب العمل التقني، لا يقل الدور الإداري أهمية، حيث يبرز المجهود الريادي لكل من:الإطار الوطني حميد الجميلي السيدة الفاضلة حفيظة ملولي إلى جانب كل من يساهم معهم بروح إنسانية ومهنية عالية، في تنزيل مشروع رياضي متكامل تدعمه الدولة، وتوليه العناية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، باعتباره رافعة للتنمية البشرية والاجتماعية قبل أن يكون إنجازًا رياضيًا.
خلاصة مفتوحة على المستقبل
إن تجربة مدرسة النادي المكناسي تؤكد حقيقة راسخة:الأهداف الكبرى لا تتحقق إلا بوسائل مدروسة، وتفكير عميق، واستثمار حقيقي في الإنسان.وهي ليست سوى ورقة أولى في مسار طويل، يستحق المزيد من التتبع والتوثيق، قصد استبيان النهج العلمي الذي تنهجه المدرسة لصناعة أجيال ذهبية، تحمل مشعل الاستمرارية، وتسير على خطى من سلفوا، بعزيمة الحاضر ورؤية المستقبل.والله وليّ التوفيق.



