تنمر الفئران

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
قد تجد نفسك يومًا سندًا لمن أرهقهم العجز، وكتفًا لمن أمالهم الانكسار، فتُقابل بالإعراض والإنكار. ترفع أقوامًا من العدم، وتُقدّمهم الصفوف بعد أن كانوا ظلالًا بلا ملامح، يسيرون خلفك ويستظلون بطول قامتك، فإذا استقاموا توهّموا أنهم وُلدوا واقفين.
كانوا يتباهون بصورةٍ معك، لا حبًّا فيك ولا اعترافًا بقدرك، بل طمعًا في إعجابٍ عابر، أو تعليقٍ أجوف، يرقّع نقصهم ويخفي خواءهم. لم يكونوا يذكرونك في مجلس، ولا يقدّمونك في حديث، لا جهلًا بمكانتك، بل خوفًا من هيبتك؛ فالنفوس الصغيرة تضيق بأصحاب المقامات.
وما إن تبدّل الهواء، ولمست البرودة وجوههم، حتى انكشف المستور، فخرجوا من جحورهم كما تهرع الفئران لرائحة القمح، أو كما يفسد الإيمان إذا مسته رطوبة النفاق. ولأنهم لا يحتملون رؤية القامة العالية، حاولوا أن يظهروا نمورًا بالنيل من السمعة، وبثّ الكراهية، وهم في قراراتهم يرتعدون حتى من ذكر الاسم، خشية أن تحمل الريح وشوشاتهم إلى صاحبها.
يصفّقون لبعضهم بعضًا، فإذا خلا التصفيق أدركوا حجم الفراغ، وعرفوا – متأخرين – أن العلم لا يُسرق، وأن الأدب لا يُدّعى، وأن الأخلاق لا تُزيَّف طويلًا. تراهم في الملتقيات كالبعوض حول المستنقعات، وفي المحافل يتدافعون على الموائد، بخلاء في الطبع، فقراء في المعنى، لا يحسنون صنعة ولا يمتلكون ناصية لغة، كلماتهم صاخبة، وأرواحهم خاوية.
فضحكت، لا استهزاءً، بل شفقةً على جهلٍ لا يُدرك نفسه، وغباءٍ يظن الضجيج قيمة، والعداوة بطولة.
ونصيحتي لمن يأتي بعدي:
إيّاك وقومًا لا يُؤمَن جانبهم، واحذر مجالسهم، فقد يبتسمون لك والسمّ في الدسم، ولا تغترّ بصداقةٍ تُشترى، فكل ما يُشترى يُباع، وربما في لحظة.
واصحب الكريم ابن الأصول، فإن الزمن إن جار، والوجوه إن تغيّرت، بقي هو على عهده، لا يخذلك، ولا يطعنك من الخلف، ولا يحتاج أن يعلو صوتُه ليُثبت قيمته.



