
بقلم: ذ. زهير أصدور
يشهد العالم اليوم موجة مركبة من التحولات البنيوية التي تجعل المقاربات التقليدية للتنمية والاستقرار غير ذات جدوى. فالثنائية التي سادت لعقود بين النهوض الاقتصادي والاستقرار السياسي لم تعد قادرة على تفسير ديناميات عالم يتسم بالصدمات المتلاحقة: تغير مناخي يضرب أكثر المناطق هشاشة، تحولات تكنولوجية تعيد توزيع رأس المال والمعرفة وفق منطق الإقصاء لا الإدماج، ضغوط ديمغرافية متزايدة، وتوترات جيوسياسية ترفع كلفة المعيشة وتعمق انعدام اليقين. في هذا السياق، لم تعد العدالة الاجتماعية مجرد مطلب اجتماعي أو شعار أخلاقي، بل تحولت إلى متغير بنيوي يتحكم في فعالية النمو، وفي متانة الاستقرار، وفي قدرة الدول على امتصاص الصدمات.
إن التحولات العالمية لا تؤثر على المجتمعات بالقدر نفسه، وهو ما يكشف أن “حياد” السياسات العمومية لم يعد ممكنا. فالتغير المناخي يعاقب الفئات الأكثر هشاشة، والتحول التكنولوجي يضغط على الطبقة المتوسطة ويُركز الثروة لدى من يمتلكون رأس المال المعرفي، بينما تؤدي دورة التشديد المالي العالمي إلى إنهاك الأسر ذات الدخل المحدود قبل أن تظهر انعكاساتها في مؤشرات الاقتصاد الكلي. أما التفكك الجيوسياسي فيضاعف كلفة الطاقة والغذاء، ويرفع درجة عدم اليقين التي تقوض الاستثمار والإنتاج. هذه ليست مجرد تسارعات تقنية، بل مظاهر لعالم تتزايد فيه المخاطر بينما تتباطأ قدرة السياسات التقليدية على الاستجابة.
لهذا السبب، لم يعد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يتحدثان فقط عن النمو، بل عن نمو شامل وقادر على امتصاص الصدمات. كما لم تعد العدالة الاجتماعية مرتبطة بتوزيع “حصيلة” النمو بعد وقوعه، بل أصبحت مرتبطة بتوزيع المخاطر والتكاليف والفرص منذ مرحلة تصميم السياسات. نحن اليوم أمام تحول مفاهيمي يجعل العدالة الاجتماعية مسألة هندسة اقتصادية وسياسية وليست مجرد قضية رفاه اجتماعي.
الأدلة التجريبية تؤكد أن ارتفاع اللا مساواة يضعف النمو، ويقوض الثقة في المؤسسات، ويغذي التقلبات السياسية، ويجعل السياسات العمومية أقل استقراراً وأكثر عرضة للتذبذب. وقد انتقلت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية من التعامل مع اللا مساواة كقضية اجتماعية إلى اعتبارها قيداً مباشراً على الإنتاجية والتنمية. بتعبير آخر، المجتمعات غير العادلة ليست فقط غير منصفة، بل هي أيضاً مرتفعة التكلفة: مكلفة في الحكم، مكلفة في الإصلاح، ومكلفة في الحفاظ على الاستقرار.
كما أن العدالة الاجتماعية لم تعد أحادية البعد، بل أصبحت مجالاً معقداً يشمل العدالة الجغرافية بين المركز والهامش، جودة التعليم والصحة، الإدماج الاقتصادي، العدالة الجندرية، والعدالة البيئية المرتبطة بالتعرض اللامتكافئ للمخاطر المناخية والصحية. إن الولوج المنصف إلى الحماية والفرص هو جوهر العدالة في زمن اجتماعي جديد لا تكفي فيه سياسات التعويض أو التحويل المالي وحدها.
لهذا تركز الأمم المتحدة على الارتباط البنيوي بين العدالة الاجتماعية والمرونة المجتمعية والتنمية المستدامة وبناء السلم. فالعجز في العدالة يتراكم بصمت إلى أن يتحول إلى هشاشة، والهشاشة—بحكم منطقها—تتحول إلى عدم استقرار. ومن الخطأ الاعتقاد أن العدالة الاجتماعية تتعارض مع الانضباط المالي؛ فغيابها هو الذي يغذي الاحتجاج، ويضعف شرعية الإصلاحات، ويرفع الكلفة الأمنية والاقتصادية على المدى المتوسط والبعيد. أما السياسات الاجتماعية المصممة جيداً، فتمثل “مُثبّتات تلقائية” للصدمات، تعزز مصداقية الدولة وتحصّن العقد الاجتماعي.
المقايضة الحقيقية إذن ليست بين العدالة والاستقرار، بل بين استقرار هش قصير الأمد بلا عدالة، واستقرار متين طويل الأمد مؤسس على عدالة فعليّة. وفي عالم سريع التحول، يصبح الخيار الثاني ليس فقط الأكثر إنصافاً، بل أيضاً الأكثر عقلانية وفاعلية ودواماً.



